الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٦٥مقدّمة التحقيق
65
بعيد؛ فهي شروحات لغويَّة، أو معلومات تاريخية أو آراء مخالفة شاذة، أو لطائف جميلة تزيد نكهة للكتاب، وترفّه عن القارئ حتّى لا يشعر بالملل، ولا يعلوه الكلل، فيجعله يتنقل بين أسوار الأصول الصامدة، وأشجار الفقه الوارفة، ويتجول وسط الرياض المختلفة الألوان يستمتع بجمالها، ويرتوي من معينها .. فجاء حسن التأليف، سلس التبويب، واضح التعبير، قوي الحجة، واسع الاستحضار .. ينتقي مادته من كل مصدر، ويُمحصها في أدقّ مخبر .. يعتني بالمقارنات ويُكثر من الاستشهادات، ويغوص في أعماق اللغات، ويضبط الاختلافات مُغرم بالاستطرادات اللغوية)، ويمزج المعارف اللغوية بالفقهية (2)، قويّ المجادلة في مسائل الكلام بتكرار عبارة: «فإن قال قائل: … قيل له: … »، واستعمال طرق الجدال المختلفة، من سبر وتقسيم، ودليل الخلف، وإلزام الخصم … وغيرها، وكلُّ ذلك في نسق متميز واضح، ينمق فيه المؤلف ويُجيد.
كما أن كتابه يستغني فيه قارئه عن الرجوع إلى غيره في شرح الكلمات،
(1) حتَّى ولو كانت على حساب المواضيع الرئيسة، فلما كان يتحدَّث مثلاً عن القرآن وفضله استشهد بأثر عن النبي صلى الله عليه وسلم، ورد فيه قوله: «مَاحِلٌ مُصَدَّق»، فأخذ في شرح «ماحل، والمحال»، وفي أثناء ذلك استشهد ببيت فيه لفظة «غرام»، فاستطرد مرة أخرى في شرحها وأتى بشواهد في شرح الغرام، وهكذا يفعل في عدة مواضع، وخاصة في الأجزاء الأولى. وقد برع العوتبي في هذا الجانب كثيرًا، وبخاصة عند عزو الأبيات إلى أصحابها، مع عدم نسبتها وتوثيقها عند كثير من علماء الكلام واللغة والتفسير، مِمَّا يدلُّ على اطلاعه الواسع على كتب الشواهد العربية والدواوين الشعرية، وقد أعيتنا بعض الأبيات في الحصول عليها، رغم توفر الموسوعات والوسائل المختلفة، بينما نجدها عنده منسوبة إلى أصحابها؛ وبهذا يصلح أن يكون الكتاب مصدرًا من مصادر الشواهد اللغوية، كما هو مصدر من مصادر الشريعة وأصول الدين. (2) مثل تعريفه للمال مثلاً في الجزء الأول: «وقيل: سمّي المال مالاً؛ لأنَّه ميال. ويقال: رجل مائل: إذا كان ذا مال»، وغيرها من الأمثلة كثير.