كتاب الضياء سلمة بن مسلم بن إبراهيم العوتبي أبو المنذر

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٦٥٨

كتاب

658

الجزء الأول

أن

لأنها أشبهته لجرى عليها ما يجري من ذلك، فإذا رأى هذه الأشياء علم لها مدبرًا وصانعا، كما أن من دخل بيتًا ولم ير بانيه علم بما يرى من البناء

أن له بانيا. كذلك إذا رأى العالم، وأعاجيبه، ورأى جري الشمس والقمر والنجوم علم أن لها مدبرًا وخالقا لا يشبهها؛ لأنَّ العامل لا يشبه عمله وأقرب الأدلة للعبد على الله و أنه واحد ليس كمثله شيء: نفسه، وذلك أنَّه هو ابن كذا وكذا من البشر، وأنَّه قد كان طفلا ونطفة قبل ذلك، ثُمَّ إِنَّه يرى ما أدت إليه هذه الحواس الخمس.

فقد ينبغي أنه لم يصنع لنفسه السمع والبصر والذوق والشم والنفس والفؤاد والجوارح والقوَّة واللون، وهو نطفة لا عقل له ولا قوة؛ لأنَّه لو ذلك يومئذ كان اليوم أقوى له، وكان قويًّا على ردّ ما ذهب منه،

صنع

وإصلاح ما فسد منه؛ فإنَّه إذا قدر على شيء في حال الضعف فهو في القوة والعقل عليه أقدر، وإذا قدر على ابتداع الجوارح وابتدائها فهو على إصلاح الفساد منه أقدر، ففي ذلك دليل على أنه لم يصنع نفسه، وأن والده لم يصنعه ولا مثل والده؛ لأن والده يجري عليه /153/ من الضعف ما يجري عليه، مع أن النطفة لو وضعت بين يدي الخلائق لم يقدروا على أن يخلقوا لها عقلا، ولا روحًا ولا شيئًا من الجوارح؛ فهم إذا ضعفوا عنها حيث يرونها ويلمسونها فهم إذا غابت عنها في الرحم وبينها وبينهم الحجب أبعد من أن يلوا ذلك منها، وفي ذلك دليل على أن لها مدبرًا ليس كهي في شيء من صفاتها ولا صفات المخلوقين؛ فإنه الله الذي ليس كمثله شيء. مع أن الخلق جميعًا لا يدرون ما أرواحهم التي يعيشون ولا قواهم، وكيف هي، ولا ما الشيء الذي به يبصرون، ولا الذي به يسمعون؛ فإذا كانوا يجهلونها وهي فيهم فهم بصناعتها أجهل، وفي عجزهم عنها أعجز، فقد ثبت ما ذكرنا من ذلك [أنَّ] الإنسان مخلوق ومدبّر.

٦٥٧ / ١١٬٢٣٨