الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٦٨كتاب
?
الجزء الأول
المطلب السادس: تزامن تأليف الموسوعتين «الإبانة» و «الضياء» بعدما قضى العوتبي جُلَّ حياته في الاعتناء بالفنون الأدبية واللغوية جمعًا وترتيبًا وتأليفا، والاهتمام بها مدَّة ليست بالقصيرة؛ وذلك إدراكًا منه أنَّ النصوص لا تفهم، والأفكار لا تبنى، والمعاني لا تستنبط إلَّا بهما؛ فكانت انطلاقته قوية في هذا الفنّ حتّى تاقت نفسه لأن يخدم هذا الدين بموسوعتين مُميَّزتين في منظومته الفكرية تكونان الغاية في نتاجه الفكري، يستفيد منهما القاصي والداني، والموافق والمخالف، تجمع بين الجديد والتليد فكان هذا النتاج العلمي الرائق، إحداهما في اللغة وأسرارها، والأخرى في الشريعة ومقاصدها، وقد جاءتا متأخرتين في الوضع، للإشارات التي كانت بينهما كما يظهر أنهما كانتا متزامنتين أيضا، إن لم نقل بتقدم «الإبانة» على «الضياء»؛ وهذا ما نلاحظه في عبارات «الضياء» حينما يشير إلى «الإبانة» يأتي بها على صيغ الجزم والتحقيق أكثر من عبارات «الإبانة»، فيقول مثلا في كتاب الضياء: «والبلية قد ذكرتها في كتاب الإبانة»، ويقول: «وذكر الشيء بسببه، وذكر سببه به، وكلُّ ذلك قد جاء به القرآن، وقد ذكرته في كتاب الإبانة فلم أعده هاهنا للاختصار»، وقال في خبر الأصمعي أيضا (ص 93): «وقد ذكرتُ هذا الخبر بجملته في كتاب الإبانة فاختصرته هاهنا».
أما عبارات «الإبانة» فقد كانت غالبًا ما ترتبط بالمشيئة؛ فيقول في حديثه عن الغرر مثلًا: «تقول: غارني الرجل يغرني إذا أعطاك الدية، وتغورني أيضًا … وقد ذكرته في كتاب الضياء إن شاء الله)، وقال بعد ذكر حديث كُلّ مَولُود يُولد على الفِطرَةِ … » «ولهذا الخبر تفسير ـ عن أقوام -
(1) انظر: مقدمة الإبانة 25/ 1. مخطوطة الإبانة، 197/ 2.