كتاب الضياء سلمة بن مسلم بن إبراهيم العوتبي أبو المنذر

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ١٩

باب 1: ما يجوز من الصفات حقيقة ومجازا

19

الوصف له تعالى بأنَّه مدرك مثل الوصف له بأنَّه غالب؛ لأنَّ هذا الإدراك إنَّما هو فعل منه، وهو إنصافه المظلوم من الظالم، والوصف له بأنه غالب إنَّما هو من صفات الذات؛ لأن معناه أنَّه قاهر الأشياء مقتدر عليها.

مسألة [كيف يجوز أنه تعالى طالب وكلُّ شيء في قبضته؟] فإن قال قائل: أليست الأشياء كلُّها في قبضته وسلطانه؟ أوليس هو بها

جميعًا عالم؟ قيل له: بلى.

فإن قال: فكيف يجوز منه الطلب لما هو عارف بمكانه ومقتدر عليه؟ قيل له: هو وإن كان عالما بكل شيء ومقتدرًا على كل شيء فقد يسمى أخذه للظالم بحق المظلوم طلبًا لِحَقِّ المظلوم منه؛ لأنَّ هذا يسمى في منا طلبًا وإن كنَّا مقتدرين على من نطالبه بذلك.

فصل: [وصف الله تعالى بأنه راحم]

اللغة

ويوصف تعالى بأنَّه راحم لعباده، ومعنى راحم أنَّه منعم وأنه ناظر لعباده، /10/ وأنَّه محسن إليهم. وقد بين الله تعالى ذلك فقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (الأنبياء: 107)، فإرساله النبي صلى الله عليه وسلم هو نعمة منه تعالى على عباده، وهو رحمة منه لهم، كقوله تعالى في وصف القرآن: إنَّه هُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (1). والقرآن نعمة من الله تعالى على عباده، فسماه رحمة لهم. وقد أجمع أهل اللغة والمسلمون على أنَّ الغيث رحمة والغيث أيضا هو نعمة من الله تعالى، فعلمنا بهذا أنَّ معنى الرحمة من الله وكل معنى النعمة.

(1) وذلك في قوله تعالى: (وَلَقَدْ جِئْتَهُم بِكِتَب فَضَلْتَهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ)

(الأعراف: 52).