الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٢٦26
كتاب
الجزء الثاني
فإن قال: وما الفرق بينهما؟ قيل له: لأنَّ الصديق في اللغة بأن يَصْدُق صاحبَه الود والمحبَّة، وأن يكون ضمير كل واحد منهما لصاحبه كعلانيته، فلما لم يَجُزْ أن يوصف الله تعالى بأن سريرته للأنبياء كعلانيته، وأن ما يضمر لهم كما يظهر، إذ كان الضمير والطوية لا يجوزان عليه لم يجز أن يكون صديقا لهم. وأيضًا: فإنَّ الصديق إنَّما هو اسم وقع في اللغة على التوسع، وذلك أنَّه اشتقَ مِنْ صِدْقِ المودة، والصدق في حقيقة اللغة إنَّما هو الخبر الذي وقع مخبره على ما أخبر به المخبر، فلما كان استعمالهم الصدق في المودة مجازا غير حقيقة لم يَجُز أن يسمَّى الله تعالى به؛ لأنه تجب التسمية له وعل من جهة الحقائق لا من جهة المجاز؛ فلهذا لم يجب أن يقاس الصديق على الخليل، إذ كانت (1) التسمية بالخليل حقيقةً، والتسمية بالصديق مجازا، والمجاز لا يجب أن يقاس على الحقائق.
فصل: [امتحان الله لعباده واختبارهم وابتلاؤهم]
ويقال: إنَّ الله تعالى يمتحن عباده توشعًا ومجازا، والمراد أنَّه يكلفهم طاعته ويأمرهم بها؛ لأنَّ الامتحان في أصل اللغة إنَّما هو التجربة وطلب معرفة حقيقة الشيء الذي يمتحنه، فلما كان الله سبحانه بالأشياء عالما وبما كان من أخبارها وما يكون لم يجز عليه التجربة ولا الامتحان /14/ على الحقيقة، وإنَّما قيل مجازًا، وأريد به أن يكلّف ويأمر.
وكذلك يقال: إنَّه يختبر مجازًا لا حقيقة؛ لأن الاختبار هو طلب المختبر للخبرة بالشيء الذي يختبره والعلم، به فلما كان الله سبحانه وتعالى لم يزل بالأشياء عالما لم يجز عليه أن يختبر شيئًا وأن يطلب العلم به.
(1) في (د): «كان».