كتاب الضياء سلمة بن مسلم بن إبراهيم العوتبي أبو المنذر

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٢٧

باب 1: ما يجوز من الصفات حقيقة ومجازا

27

وكذلك يقال: إنه يبتلي توشعًا ومجازًا لا حقيقة، ويراد بذلك أنه يكلّف ويأمر؛ لأن الابتلاء في حقيقة اللغة هو الفعل الذي يطلب الفاعل أن يعرف

به صَبْرَ المبتلى وما يكون منه عند الابتلاء. قال الشاعر:

بليت وفقدان الحبيب بلية

وقد يُبتلى الحرُّ الكريم فيصبر

(1)

فلما كان الله تعالى عالما بكلِّ شيء قبل أن يخلق عباده وقبل أن يأمرهم لم يصح (2) أن يريد بأمره إيَّاهم معرفة ما يكون منهم إذ كان لم يزل عالمًا (3) فلم يجز أن يبتلي العباد على الحقيقة، وإنما توسعوا له في الوصف بأنه يمتحن ويختبر ويبتلي، وأرادوا بذلك أنَّه تعالى يأمر ويكلّف توشعًا ومجازا.

مسألة [تكليف الله لعباده هل هو على الحقيقة؟] فإن قال: أفتزعمون أنَّ الله تعالى يكلف عباده طاعته على الحقيقة؟

قيل له: نعم.

فإن قال: أفليس المكلف منا في الشاهد إنَّما يكلِّف غيرَهُ حَاجَتَهُ؟ قيل له: قد يجوز أن يكلف أحدنا غيره حوائجه التي يحتاج إليها، وقد يجوز أن يكلفه أيضًا فعل ما يحتاج إليه المكلف وإن [لم يكن للمكلف في ذلك حاجة؛ لأنَّ التكليف في الأصل إنَّما هو تحميل الإنسان العمل الذي يلزمه إيَّاه، فإذا ألزمه ما يحتاج إليه الأمر منا فقد كلفه ما يحتاج إليه، وإذا ألزمه ما يحتاج إليه المأمور

(1) البيت من الطويل، ذكره صاحب العين والأساس والمقاييس مادة: «بلو»، ولم ينسبوه، وجاء في ديوان ذي الرمة بلفظ:

ألَا إِنَّما مَيَّ فَصَبرًا بَلِيَّةٌ وَقَد يُبتلى الحُرُّ الكَريمُ فَيَصرُ

انظر: ديوان ذي الرمة في الموسوعة الشعرية.

(2) في (د): - يصح».

(3) في (د): «عله لما».