كتاب الضياء سلمة بن مسلم بن إبراهيم العوتبي أبو المنذر

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٥٠

كتاب

الجزء الثاني

أن

كذلك لوجب على أهل العقل من أهل اللغة أن يصفوه بجميع هذه الصفات من قبل أن يأتيهم الرسول، ومن قبل أن ينزل القرآن كما كان عليهم يصفوه بأنه عالم بالأشياء من قبل أن يأتيهم الرسول صلى الله عليه وسلم وينزل القرآن؛ لأنهم يعرفون معاني هذه الصفات.

فصل: [وصف الله تعالى بالفهم والفقه والشم والذوق والصبر والفضل والكمال ونحوها]

ولا يوصف تعالى بأنه يفهم الأشياء كما يوصف بأنه يعلمها؛ لأنَّ الفهم هو العلم بمعنى الكلام الذي يسمعه حتَّى يكون إذا سمعه لم يخف عليك معناه. وكذلك الفقه إنَّما هو أن نفقه الكلام، ولهذا الأمر لا يوصف بالفهم إلا الكلام وحده، وكذلك لا يوصف بالفقه إلَّا الكلام كما قال الله: {وَجَدَ مِن دُونِهِمَا قَوْمًا لَّا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً (الكهف: 93)، فلما كان الله تعالى لم يزل عالما بالأشياء كلها وبمعانيها لم يجز أن يوصف بأنه يعرف معنى الكلام إذا سمعه كما نوصف نحن بذلك، ولا أنَّه يفهمه، ولا أنه يفقه، ولا أنَّه فهم، ولا بأنه فقيه.

ولا يوصف تعالى بأنَّه يشم ويذوق؛ لأنَّ الشم هو استنشاق الجسم المشموم ودخوله في الخياشيم ومماشة الخياشيم له. والذوق هو مماشة الجسم المذوق اللسان واللهوات، فلما لم يجز على الله تعالى مماشة الأجسام ولا مداخلتها إيَّاه لم يجز عليه الشم والذوق.

ولا يوصف تعالى بأنَّه صبور كما يوصف بأنه حليم؛ لأنَّ الصبور هو الذي يصبر على ما يؤلمه ويغمه، وهذا معناه عندنا في الشاهد؛ ولهذا كان ثواب الصبر عندنا من أعظم الثواب؛ لأنه احتمال المكاره