الجزء الثامن عشر
الجزء ١٥ · صفحة ١٤٥باب 10: في الديون والحقوق، والأحكام فيها
145
الفرق بينهما: أنَّ الغريم الذي تحمّل الدين بأمر صاحبه ليس بمتعد عليه ولا جَانٍ على ماله، بل هو مالك له دون من صار إليه منهم؛ فلذلك جاز ألا يهجم عليه، ولا يؤذى، ولا يروع كما يروّع المتعدّي بالهجوم عليه في أمنه، [و] كما يهجم على أهل المنكرات في منازلهم والأماكن التي يسيرون بمنكرهم فيها، وهؤلاء /70/ أيضًا بتعديهم من أهل المنكرات الذين يجوز الهجوم عليهم في منازلهم ليخرجوا إلى حيث لا يمتنعون بباطلهم. ويدلّ على ما قلنا: أنَّ رسول الله بعث بلالا فاستدان له دينًا، فلما حلَّ طولب بالدين، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم: «أني طولبت بالدين الذي تحملته، وقد ضيّق عليّ في المطالبة، وشدّد عليَّ فيه»، «فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يتوارى عن أهل الحقوق إلى أن يتيسّر ما يقضون به» (1)؛ فلو كان التواري لا يستر بلالاً من الغرماء لم يأمره النبي صلى الله عليه وسلم بذلك؛ فهذا يدلّ على افتراق حكم المتعدّي وغير المتعدّي، وبالله التوفيق.
وأيضًا: فإنَّ السارق والمتعدي على مال غيره تناولا مالا لغيرهما باعتداء منهما على صاحبه، ولم ينتقل ملك صاحبه عنه؛ فهما ظالمان له في كل حال.
حدثًا أو آوى محدثًا» (2)
وقول النبي: العنَ الله مَن أحدث في الإسلام حدثًا أو آوى صلى الله عليه وسلم يدلّ على ما قلنا؛ لأنَّ النبي صلى الله عليه وسلم منع بهذا القول أَن يؤويه أحد، فلما لم يكن له مكان يستره ويمنعه علمنا أنَّ كلَّ موضع كان فيه فغير ساتر له، وبالله
التوفيق.
(1) لم نقف على من ذكره بهذا اللفظ. (2) رواه الربيع، عن ابن عباس بلفظ قريب، باب في الأمة أمة مُحمد صلى الله عليه وسلم، ر 42. ورواه البخاري، عن علي باب حرم المدينة، ر 1771. ومسلم، عن أبي هريرة بلفظ مطولًا، باب فضل المدينة ودعاء النَّبِي .... 1371.