الجزء التاسع عشر
الجزء ١٦ · صفحة ١٠٦1.7
كتاب
الجزء التاسع عشر
فإن قال قائل: إنَّ الوصيَّة غير واجبة؛ لقول الله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ (النساء: (11)، فذكر الوصيَّة بذكر النكرة، ولو كانت هاهنا وصيَّة واجبة لأدخلها الألف واللام كما قال: {وَأَقِيمُوا الصَّلَوَةَ وَءَاتُوا الزَّكَوةَ * (البقرة: 43)، فأدخلها الألف واللام؛ لأنها صلوات معهودة مكتوبة، وكذلك الزكاة. فلما قال: {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ) صارت الوصية نكرة، فدل ذلك أن لا وصيَّة معهودة؟
قيل له لعمري إنَّها وردت مورد النكرات لمعنى يدلّ عليه، وذلك أنَّ الوصايا على ضربين فوصيَّة واجبة، ووصيَّة - الإنسان ـ مُخيّر فيها؛ فلو قال: من بعد الوصيَّة لم يدخل فيها ما خيّر، فلما أراد أن يجمع بين الواجبات وغيرها أوردها مورد النكرات لتستغرق. الجنس. ويدل على هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا صَلاة بِغَير طهور» (1)، فلم يدخل الألف واللام في الصلاة، ولم يكن إسقاطه الألف واللام يدلّ على أن لا صلاة واجبة؛ فلو قال: «لا تقبل الصلاة» لم تدخل فيها صلاة التطوّع، فلما أراد أن يجمع بين الواجبات وغيرها أوردها مورد النكرات لتستغرق الجنس، وكذلك ما ذكرناه في الوصية، والله أعلم.
فإن قال: لَستَ أولى مِمَّن (2) تعلّق بالآية الأخرى؛ لأنَّ هاهنا آيتين تعلّقت أنت بإحداهما وتعلّق مخالفوك بالأخرى وهو قول الله جل ذكره: {وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبَى وَالْيَنَمَى وَالْمَسَكِينُ فَارْزُقُوهُم مِّنْهُ) (النساء: (8)، فقد
(1) رواه مسلم عن ابن عمر بلفظ قريب كتاب الطهارة، باب (2) وجوب الطهارة للصلاة، ر 224، 204/ 1. وأبو داود، عن أبي المليح عن أبيه بلفظه، كتاب الطهارة، باب فرض الوضوء، ر 59، 16/ 1. (2) في النسختين من. وهو موافق لما جاء في جامع ابن بركة، 298/ 2؛ ولعل الصواب ما أثبتناه ليستقيم المعنى، والدليل على ذلك ما جاء في آخر هذه الفقرة، والله أعلم.