الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ١٨١باب: القول في آيات
181
- والمعنى الثاني من النظر: هو بالرأفة والرحمة والصلة والعائدة. /87/ وترك النظر إليهم انتفاء (1) ذلك عنهم. ألا ترى إلى قوله تعالى: {وَلَا
يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَكَمَةِ) (آل عمران (77) معناه: لم ينظر إليهم برحمته.
ونظر الخلق إلى الله تعالى انتظار فضله ورزقه وعطيته وكرامته في الدنيا والآخرة. وليس لأحد من الخلق أن ينظر إليه جهرة، لا في الدنيا ولا في الآخرة، ولأنَّ الأبصار لا تدرك إلا الأجسام المحدثة، أو ما يكون في معنى من معانيها، مِنْ قِبل أنَّها محدثة؛ فلا يُدرَك ولا يُرَى إلا ما كان محدودًا، والمحدود لا يكون إلا جسما أو هيئة لجسم أو صنعا، والجسم صنعة مصنوع، وكلُّ مصنوع فله صانع، والصانع لا يشبه المصنوع؛ فمن زعم يَرَى الله تعالى جهرة فقد زعم أنه محيط بالله؛ لأنَّ الأبصار إذا رأت شيئًا فقد أحاطت بما رأت وعليه، وقعت فلا يعدو أن يكون ما وقعت عليه بعضًا، فقد جزأته، وبعضته والله يتعالى عن كذلك علوا كبيرًا.
[معنى الرؤية]
:
أنَّه
وأما الرؤية فمعناها المعرفة، إلا ما كان من جهة ما تدرك الأبصار فإنَّ ذلك رؤية جسم، وما سواه فمعناه المعرفة؛ قال الله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى عل: رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظَّلَّ) (الفرقان: (45) ومثله: {أَلَمْ تَرَكَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَبٍ الْفِيلِ) (الفيل: 1) ومثله: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيْطِينَ عَلَى الْكَفِرِينَ تَؤُزُهُمْ أَذًا﴾ (مريم: (83) ومثله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفُ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ (البقرة: 243)، ومثله في القرآن كثير، وكلُّ ذلك لم يره النبي صلى الله عليه وسلم، ولا كان إذ ذاك، وإنَّما المعنى: ألم تعلم ذلك وتعرفه بالخبر الذي خبرتك؟.
(1) في النسخ: «انفاذلك»، وصححناها بما يوافق السياق.