الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٢٢٩باب 6: في القضاء والقدر
229
فإن قال: فما الدليل على أنَّه إذا لم يفعل ما أُمر به كان فاعلا خلافه؟ قيل له: إنَّ العبد لا يخلو من أحد أمرين إما حركة أو سكون، فهو إن كان متحرّكا أو ساكنا فهو فاعل لأحد الأمرين، وبأيهما كان مأمورًا فَفَعَلَ خلافَه فقد فعل خلاف ما كُلّف، ومن لم يعمل بما أمر به فليس بقادر عليه؛ لأنَّه لا يقدر في وقت واحد على فعل شيء وتركه، وذلك محال، والقدرة على
المحال محال.
فإن قال: أليس قد علم الله تعالى من يكون مؤمنًا ومن يكون كافرًا قبل أن يعملوا؟ قيل له: بلى. فإن قال: فقد كانوا كفَّارًا قبل أن يعملوا؟ قيل له: هذا محال، وليس كلُّ من علم الله تعالى أنه يعمل شيئًا يكون فاعلا له قبل فعله، وهذا ما لا تجهله العقول، ومن اعتقد هذا فقد أَثِمَ وجار عن الحق؛ لأنَّ علم الله تعالى في العبد أنَّه يعمل غير علم العبد أنَّه قد عمل؛ لأنَّ علمه أنَّه قد عمل إنَّما هو كان بعد أن لم يكن وعلم الله تعالى لم يزل عالمًا بما يكون قبل كونه وفي حال كونه وبعد كونه، فهو العالم بالأشياء لا يخفى عليه شيء منها.
فصل: [في محاججة الجهمية]
:-
سل الجهمية عن الله - تبارك وتعالى -: أكان قَبْلَ عِلْمِهِ أم لم يزل معه عِلْمُهُ؟ فإن قالوا: لم يزل معه عِلْمُهُ، والعلم هو الله؛ لأنَّ ما لم يزل /109/ ينبغي أن يكون هو الله.
فإن قالوا علمه، مخلوق فقل لهم: قد كان ولا علم له.
فإن قالوا: نعم، فقل: قد كان ولم يعلم شيئًا. ثُمَّ قل لهم: هل كان يعلم أنه ليس معه شيء قبل أن يخلق شيئًا ويعلم أنَّه لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ؟