الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٢٤٥باب 6: في القضاء والقدر
245
مسألة: [بين علم الله تعالى وإرادته]
يقال لمن قال: إنَّ الله تعالى أراد خلاف ما علم: هل عَلِمَ الله ما العباد عاملون، وإلى ما هم صائرون؟
فإن قال: لا، كَفَرَ وخرج من قول أهل الصلاة: إنَّ الله تعالى لم يزل عالما بما يكون قبل كونه. وإن قال: نعم، قيل له: فأراد إنفاذ ما علم أم إبطاله؟
فإن قال: لم يُرِدْ أن يكون ما عَلِمَ كما عَلِمَ، كَفَرَ. وإن قال: إنَّه أراد كون
أنَّ
ما عَلِمَ انقطعت حجته التي يحتج بها في الإرادة؛ لأنَّ الله تعالى قد علم المعصية من العاصي معصية، وأرادها معصية مسخوطة، وقضاها قبيحة خلاف الطاعة والإيمان، وبالله التوفيق.
مسألة: في المشيئة
قال الله تعالى: {وَلَوْ شِئْنَا لَا نَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَنهَا … الآية)، ففي ذلك دليل /119/ على أنَّه لم يفوّض الأمر إلى عباده ليستبد كل امرئ منهم بمراده، كما زعم الملحدون في آياته المنكرون لأحكام كتابه، إذ قالوا: فقد شاء الله تعالى من الخلق أن يؤمنوا، وكره منهم أن يكفروا، فأحب الكافرين أن يكفروا، وكانت محبَّتهم غالبة لمحبَّته ومشيئتهم ظاهرة على مشيئته، فهم إن شاؤوا أن لا يكفروا نفذت مشيئتهم، والله تعالى عندهم قد شاء من الخلق أن يكفروا فلم تنفذ مشيئته، وأراد أن يؤمنوا فلم تبلغ إرادته، فكيف يكون ذلك وهو ول يقول: {فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ
لأنفسهم
(1) السجدة: 13. وتمامها: وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ.