كتاب الضياء سلمة بن مسلم بن إبراهيم العوتبي أبو المنذر

الجزء الحادي والعشرون

الجزء ١٨ · صفحة ١١٧

باب [8]: في الرهن وأحكامه

مسألة [الرهن في البيع وفعل النبي صلى الله عليه وسلم لذلك]

117

والرهن جائز في البيع، وقد روت عائشة: «أَنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم تُوفِّي وَدِرعُه مَرهُونَةٌ بثَلاثِينَ صَاعًا [مِن] شعير» (1)، وقد قيل: إنَّ الدرع كانت مرهونة عند يهودي. والله أعلم بصحة الخبر؛ ولأنَّ النبي صلى الله عليه وسلم مات عن أوقات وسَعَة، وقد كان الضيق قبل ذلك (2).

وفي رواية ـ أيضًا ـ من طريق أبي رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يهودي ليسلف له سلفًا أو يبيع له بيعًا، فوصلت إليه فأخبرته بما أرسلني رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: والله لا بايعته ولا سلفته إلا برهن،

(1) رواه البخاري، عن عائشة بلفظ قريب، باب ما قيل في درع النبي … ، ر 2700. وأحمد، نحوه، ر 24805.

(2) إشارة لطيفة وملحظ جميل من المؤلّف يدلُّ على شكّ في معنى الرواية رغم استدلاله بها، ومع اشتهار هذه الرواية وصحة سندها عند المحدثين إلَّا أنَّ النظر يوجب الوقوف عندها ـ كما وقف المؤلّف عليها باستحياء - حيث إنَّنا إذا نظرنا إلى كتاب الله نجده ينسف هذه الرواية من أصولها، وذلك عندما يأمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يجلي اليهود وذراريهم من المدينة وما حولها، فيقول: ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ [الأنفال: 57]، وقوله: (هُوَ الَّذِى أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ مِن دِيَرِهِمْ لأَوَّلِ الحَشْرُ مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللهِ … ) [الحشر: 2]؛ وهذا الجلاء نابع من نقض عهودهم في كلِّ مرَّة، ومؤامرتهم على الدعوة الإسلامية منذ ظهورها. وإذا ثبت بقاء أحد من اليهود بالمدينة فكيف يستدين منه وخُمس الغنائم له بنص القرآن، وخيرات البلاد تُجبى إليه من كل مكان، ناهيك عن أغنياء الصحابة الذين لا يغفلون عن حاجته يوما، ثُمَّ كيف يخرج من الدنيا مدينا برهن وهو الذي كان يترك الصلاة على من مات وعليه دين؟ وأين كفاية الله لرسوله وإعزازه له فيحوجه إلى عدوّ له وهو القائل في مُحكم كتابه وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلرَسُولِهِ، وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُتَفِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ} [المنافقون: 8]، وهذه بعض الاستدلالات النقلية والعقلية التي يجب النظر فيها؛ لئلا نفتري على الله ورسوله صلى الله عليه وسلم بغير علم، ونحن في غنى عن هذه الرواية أصلا في استدلالنا على هذه المسائل والله يهدي إلى سواء السبيل.