الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٢٧٧باب 7: في الرزق وطلب المعيشة
الرد على من يذم الدنيا ويركن إلى التواكل]
277
وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: «ليتعمد أحدكم أخذ حبل فليحتطب
منه
فيه حطبًا وليحمله على ظهره، فيأتي به السوق، فيبيعه، فيأكل ويتصدق، خير له من أن يأتي رجلًا أعطاه الله من فضله فيسأله أعطاه أو
منعه» (1).
وفي
هذا القول منه ما يدل على ضعف مذهب القائلين: إنَّ الدنيا بمنزلة الميتة لا يحلُّ منها إلا ما يحلُّ للمضطرّ، لاختلاط الحلال منها بالحرام (2)، فلا يُطلب منها إلا ما يسد الفاقة.
وفيه دليل آخر على قبح اختيار القائلين: إِنَّ صدق التوكُل لا يكون إِلَّا بترك الاكتساب، إذ قد حصّ النبي على طلب الاكتساب حضا مطلقا، ولم يجعله خاصا في وقت نعمته [كذا] لمن اضطر إليه دون من لم يضطر. /136/ فالواجب على العبد أن يتقي الله ربَّه، ويسارع إلى ما ندب (3) الرسول صلى الله عليه وسلم إلى فعله من اكتساب الحلال الذي يعفه في نفسه، ويتصدق منه على غيره، ولا يكون كلا على المؤمنين.
وكيف يكون الاكتساب مكروهًا والله تعالى يقول: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ (البقرة: 172)). وقد قال الشاعر:
(1) رواه أحمد في مسنده، باقي مسند المكثرين، مسند أبي هريرة، ر 7315، 243/ 2. وللبخاري في صحيح بلفظ قريب منه، كتاب الزكاة، باب الاستعفاف عن المسألة،
ر 1401، 535/ 2.
(2) في (د): «الحرام فيها بالحلال».
(3) في (د): + «إليه».
(4) وفي (د): «كلوا من طيبات ما كسبتم ولا توجد آية بهذا اللفظ وإنما قال الله تعالى: يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ} (البقرة: 267).