الجزء الحادي والعشرون
الجزء ١٨ · صفحة ٣٠٣باب [19]: البيوع المجهولة والمغيبة وما هو في معانيها، والأحكام فيها
303
وقيل: من طلب إلى رجل بيع جري من الحب واتَّفَقا عَلَى الثمن، والحبُّ ليس بحاضر؛ فلمَّا اتَّفَقا أرسله إلى من يدفعه إليه، فقبضه ولم يرجع إليه؛ فالذي عندنا أنَّه إذا قبض الحبَّ ورضيه جاز عليه، والله أعلم. ومن اشترى جراب تمر وشرط عليه البائع أنّي قد بعتك هذا الخصف (1) ولا أدري أن التمر جيد أم رديء؛ فخرج ردينا فله رده عليه وأخذ دراهمه. فإن خرقه من ثلاثة أمكنة فجاء من بين الخرقين شيء مخالف؛ فله رده إن كان رديئًا.
والتمر إذا كان يستأكل (2) فهو تمر.
ومن اشترى جرابين من تمر وهما في بيت مظلم وحمل أحدهما فرضيه ورجع ليحمل الآخر؛ فإذا هو ليس مثل الأول فحمله وذهب به ومكث معه ما شاء الله، ثُمَّ أراد ردَّه فقال صاحب التمر: قد نظرته ورضيته وحملته ولا أقبله منك؛ فما نرى عليه ردَّه، إلا أن يكون في التمر فساد، ويكون قد شقّ أوّله عند الشراء ثُمَّ وجده بعد ذلك دون ما أرى.
وإن نظر التمر في موضع فوجده جيّدًا فحمله وسلم الثمن، فلما فتح الجراب خرج عليه تمر رديء فلم يرده إلى صاحبه من حينه، وتمادى في أكله حتى أكل نحو ربعه، وهو يطمع أنَّ ما بقي من التمر طيب؛ فلم يزل كذلك حتّى كثر عليه فساده، ثُمَّ أراد ردَّه، فما أكل من الجراب حسب عليه، والباقي /221 ردَّه عَلَى صاحبه. قيل لابن محبوب كيف تعلم ما بقي؟ قال: يوزن ويردُّ مثله طيِّبًا أَو ثمنه.
(1) والخَصَفَةُ بالتحريك: هي الجُلَّةُ التي تعمل وتُسَتُ من الخوص ويُكنز فيها التمر، وقيل: هي البَحْرانِيةُ من الجلال خاصة، وجمعها خَصَفٌ وخِصاف. انظر: العين، الصحاح،
تهذيب، اللسان؛ (خصف).
(2) اسْتأكل أموال الناس واسْتَأْكَلَ الشيء: طلب إليه أن يجعله له أُكلة. انظر: لسان العرب، (أكل).