الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٥٥٨جامع البسيوي
ص (1 ـ 181)
كتاب أصول الدين
(1)
فإن قال قائل: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا / 111 / إلا ما تطيق. قيلَ لَهُ: هذا له معان؛ وقوله: {إِلَّا وُسْعَهَا: إلا ما تطيق بعون الله، كما قال:
وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللهِ، فكلَّفهم من الصبر ما لا يكون إلا بعونه. و قول آخر: لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا إلا دينها الذي افترضه الله عليها، وليس لمخالفينا حُجَّة في ظاهر قوله: (لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا إِلا ما تطيق،
لكان الكافر يطيق الكفر، فلو كلّفه الله ما يطيق كان قد كلفه الكفر الذي يطيق. فَلَمَّا فسد ذلك وأنَّ الله لا يكلف الكفر علمنا أن الآية خاصة لبعض ما
يطيقون مما كلّفوا. قيل: يطيقون لما كلّفوا من الدين مع عون الله وتوفيقه. وقد يقال: لا يطيقون ما أمروا على قول الله: لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا، وقد أمروا بالسمع، فثبت بهذا أنَّه كلفهم ما يطيقون من أمر الدين إذ هم أصحاء، يجوز من أمثالهم الفعل؛ لأنهم يطيقون ذلك، وإن قد وفقوا له وفعلوه.
فإن قال قائل: إنَّا نزعم أن من لم يستطع الشيء لم يعذَّب عليه؟ قِيلَ لَهُ: من قال هذا فقد أخطأ القياس، وذلك أن الله لم يعذبهم؛ لأنهم يستطيعون، فيكون إذا لم يستطيعوا عذبوا، فلو كان الله لا يعذب لعلة أنه لا يستطيع؛ لكان إذا استطاع عذب فهذا محال، فثبت أن العذاب لا يزول
عن الكفار، وإن كانوا غير مستطيعين الإيمان.
1) سورة البقرة: 286.
2) سورة النحل: 127.
558