الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ١١٩في الزهد والتوبة وفضل الأعمال في السنن والآداب والاستئذان
119
وحمله على ظاهره كأنه هو الصواب فيه، إذ ليس المراد به إلا إظهار شرف العلم وفضيلته، وبيان منزلته عند الله تعالى، وأنه بمكانة من الفضل لا تلحق بشيء وأن المتخلق به بالمحل الأعلى من القرب عند المولى حتى أن أدنى (1) شيء من التنزيه أو التعظيم له، يكون نوع عبادة، قد يكون أفضل من جمل من العبادات كما ترى في سياق الحديث، والمخصوص بهذا رجال الله علماء الآخرة الذين هم ورثة الأنبياء، مصابيح الهدى وغيث الأمة وغوثها.
فالنظر إليهم على سبيل البر بهم والمحبة لهم والتعظيم لهم والتوقير والاحترام لما ألبسهم الله تعالى من أنوار علمه إنما هو لأجل محبة العلم، وهى محض محبة الله تعالى أو التعظيم للعلم، وهو من تعظيم الله تعالى وإجلاله فالمتأدب بين يدي العالم متأدب بين يدي الله، والموقر له موقر لله تعالى، إذ لم يكن حبه وتعظيمه إلا لمزية العلم، الذي فضله الله تعالى بها وأنزله فيها واقل ما يظهر له ذلك في النظر إليه والتأمل في وجهه حبا الله تعالى، وتوقيرا للعلم فهي عبادة باطنية نشأت في القلب عن حب الله تعالى أو المعرفة بجلاله وعظمته، فوالى بها
مقدمة
من والاه وعادى بها من عاداه، وتواضع بها لمن رفعه الله تعالى بدينه وتحبب بها إلى من أوجب الله محبته بفضله، فهي طهارة باطنية، وعبادة قلبية، وهي في فضلها على سائر العبادات الظاهرية الخالية عن مثلها لأن عبادات الجوارح الظاهرة إنما تراد غالبا لتطهير القلب وتصفيته، حتى يتحلى بنور المعرفة ويتخلق بالأخلاق الملكية.
فالعبادات الباطنية قليلها كثير وصغيرها كبير فلذلك كان نفس النظرة افضل من عبادة سنة تخلو عن مثلها من الأوزار الباطنية، وتحديدها بالسنة خارج مخرج
(1) في ب: حتى أرادني.
(2) سقط من: أ.