الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ١٢٨128
تمهيد قواعد الإيمان
ألا وإن من عرف كلامه من عمله قل كلامه إلا فيما يعنيه، لكن قد تدعو الحاجة وتلجئ الضرورة، لمن بلي بخلطة الناس ومعاشرتهم إلى المدارة لهم، والتصنع تقية أو حياء، وتارة (1) تكون مداهنة ورياء، فلا بد من تدارك الهفوات بالتوبة والاقتصار على ما جاز.
ألا وإن في الكلام لمن عرف مخارجه، وأبصر موالجه، لمندوحة عن الكذب، ولكن قل من ينتبه إليها إلا الموفقون، فالسيد في الحقيقة هو الرب تعالى، لأنه هو الملك والمالك، وقد يطلق مجازا على غيره، فسيد العبد مولاه، والمرأة زوجها، والقوم كبيرهم، فجائز أن يقال للرجل: السيد، بمعنى أنه سيد عبيده أو نسائه، أو أهل بيته وعشيرته، أو من يكون له فيهم الأمر والنهي، والتقدمة، فإن أضيف فقيل: سيدنا بمعنى كبيرنا، أو المنعم علينا، أو كبير القدر فينا جاز، كما قيل: أحسن إلى من شئت فأنت أميره، واحتج إلى من شئت فأنت أسيره، فللأمير سيادة على من أسره بإحسانه، كما للقادر سيادة على المقدور عليه بفضل قدرته.
فإن خرج على هذه المعاني كلها ولم يكن ذا نعمة ترجى، ولا بادرة تخشى، فماله وللسيادة، وما المخاطبة له بالزيادة إلا أن يكون على سبيل التهكم به والاختبار لعقله سخرية به، وما أحق العصاة البغاة أعداء الله تعالى بذلك، عند الله من الأراذل خساس المنازل، أحقر من الذر، وأدنس من الجعل،
فانهم.
قاتلهم الله أنى يؤفكون.
الله
وإنما حقت السيادة، واستحق الشرف والحسنى والزيادة، من كانت له عند ولاية وسعادة، ولو كان في دنيانا هذه أشعث أغبر ذا طمرين لا يؤبه له. وأما المولى فقد يطلق على السيد والعبد، وعلى المعتق والمعتق، والابن والقريب والعصبة، والحليف والصاحب والمنعم عليه، والمحب والناصر، والتابع والمتبوع، فوجهه إلى ما شئت من معانيه، فإنه لاتساعه لا كلفة فيه، حتى ليجوز إطلاقه على الشريك والنزيل، والصهر وابن الأخت والجار، فنقول:
(1) في ب تارة.