الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ١٤٧في الزهد والتوبة وفضل الأعمال في السنن والآداب والاستئذان
147
أولا تخبرني يا من طلب الخمول، وإلا فأنا أخبرك أنه هو الخمول، ثم لو قيل: إن نفس الشهرة حرام، لكان هذا من تكليف الشطط، لأنها ليس من فعل العبد، وعلى الحقيقة فالشهرة بالفضل، هي نوع فضل من الله تعالى، يكسوه من يشاء من عباده، وأشهر المشاهير به جبريل وميكائيل، ومحمد وإبراهيم، وآدم والرسل والأنبياء والأولياء، والأئمة والعلماء والعباد والزهاد، وتلك سنة الله تعالى في
صالحي عباده، فهل من قادر على قطعها، أو مريد لدفعها، فيصادم اختيار الله لعباده في بلاده، كلا فذلك ما لا يدعيه عاقل.
ومن
أراد أن لا يذكر بالجميل فلا يفعل الجميل، فإن كل إناء بالذي فيه ينضح، وكل بما فيه يذكر، وقد صح أن ليس ذلك بمذموم ولا مستنكر، وأما الفاسد منه حب الشهرة والسمعة عند الناس لأجل التزكية والمدحة والثناء، فهذا قادح في صدق العبودية، والإخلاص للربوبية، إلا إذا كان لغرض ديني
محمود كما قال إبراهيم عليه السلام: وَاجْعَل لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ (1). وإذا كان ذم الشهرة إنما هو لأجل عارض في القلب من حب المدحة بها، والتصدي لذلك (2)، والعمل له فالحب عرض في القلب لا يزول ببعد الجسم، وصيانة القلب في البعد والقرب سواء، فكيف إذا كان في البعد أشد لما (3) يلاحظه من شهرته بالخروج، والمجاورة فوق الشهرة السابقة، فيجتمع (4) في الأولى مرة أخرى، ولو كان في وطنه أسلم من هذه الثانية، وبعد هذا فعسى أن أقول لك: ألا فارتفع بهمتك عن ملاحظة الناس، وقدس قلبك من هذا الوسواس، فانك
إن نظرت إلى قول الناس وجدته مجازفة من دون تحقيق.
(4)
(1) الشعراء 84
(2) في أ: كذلك.
(3) في أ: ما. (4) في ب: فتجتمع.