الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ١٤٨148
تمهيد قواعد الإيمان
وقد كان سيدنا أبو بكر رضي الله عنه إذا مدح يقول: اللهم أنت أعلم بي مني، وأنا أعلم بنفسي منهم، فاجعلني خيرا مما يقولون، ولا تجعلني شرا مما يظنون، فانظر في هذا الكلام وتدبره فإنه مشحون من الحكم ولائق بمقام الصديق الأكبر رضوان الله عليهم.
ثم إذا نظرت إلى الحقيقة في نفسك، علمت أنها (1) عدا علم الله باطل لا يضر ولا ينفع، وعلم الله غيب لا تطلع عليه، ثم إن الناقد بصير، إلا أن يتداركه الله
برحمته.
ثم إذا نظرت إلى نفسك حق النظر، علمت أنها في محل الخطر، لكثرة التقصير والخلل، وقلة العمل، ومع هذا فكيف بالرد إلى قول قائل فأحمق الناس من ترك يقينه لظن الناس به عافانا الله من ذلك.
وإياك أن تسكن إلى غير مولاك، فلا تطلب خمولا ولا شهرة على القطع، فانك إن تطلب أحدهما وكلت إليه، فمن أحب الستر فهو عند الستر، ومن أحب الظهور فهو عند الظهور، ومن أحب الله تعالى فوض الأمر إليه، وأحب ما يختاره له إن شاء الله ستره ضرب عليه سرادق الصون فأخفاه، وكان من الشعث الغبر الذين إذا حضروا لا يعرفون، وإذا غابوا لا يفقدون، وإن شاء إظهاره، وبسط أنواره، أبرزه للناس إماما، وجعله في الدين قدوة، وفي الأرض حجة، وعامله بما عامل به السلف الصالح من لدن آدم أبي البشر، إلى محمد صلى الله عليه وسلم ثم أبي بكر وعمر، والصحابة والتابعين من عالم وعابد أخبارهم منشورة، وفضائلهم مأثورة، ودعواهم بالمدح مذكورة، يقولون: {رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّينَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا (2).
(1) كذا رسمت في النسختين: أ ب وصححها العلامة أبو مسلم رحمه الله في هامش النسخة أ ففك
إدغامها: أن ما.
(2) الفرقان 74