تمهيد قواعد الإيمان وتقييد شوارد مسائل الأحكام والأديان سعيد بن خلفان بن أحمد الخليلي أبو محمد، الشهير بـ "المحقق"

الجزء الثالث

الجزء ٣ · صفحة ١٤٩

في الزهد والتوبة وفضل الأعمال في السنن والآداب والاستئذان

149

فلله ما أطيب لهجتهم، وأسنى طلبتهم، وأعلى همتهم، لم يرضوا بالأدنى فتنافسوا في المقام الأعلى، وسألوا المنصب الأسمى، وهو مقام الأئمة والقادة، وأعلام السادة، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون.

فهل لك يا أخي من رأي في ترك التحكم على مولاك إن رفعك أو وضعك، فسلم لإله العباد، وارض لنفسك ما أراد، وقل: اللهم لا تكلني إلى نفسي طرفة عين، ولا أدنى من ذلك ﴿ولا أكثر (1)﴾ فإنه أسلم لدينك، وأكمل ليقينك، وإياك أن تغتر بزخرفة جهلاء المتصوفين من المتعسفين، طلبوا الخمول وجهلوا الأصول، فخالفوا الشريعة، وحالفوا الشنيعة، وتعاطوا من التنكر ما لم يأذن به الله، كالذي حلق لحيته، ولبس المخلاة، فصاروا بالغرة لعبة لأبي مرة (2). اللهم وفقنا للسداد واهدنا إلى سبيل الرشاد.

وأما قولك: تلتجئ بجوار الله إلى آخره، فهذا صحيح لا قول فيه، ومليح لا دخل عليه، ألا أنى على أثره أقول: يا من أرادا الالتجاء، وأظهر الاشتكاء، والبكاء، ما تريد ومن تريد، ها هو أقرب إليك من حبل الوريد،

وأكثر النوح صفاته هاهنا هي صفاته هنالك، وهو هنا كما هو هناك، رحمته وسعت كل شيء، وفضله شامل كل حي (3)، غفار لمن تاب راحم لمن أناب، أظهر الجميل، وستر

القبيح، ولم يؤاخذ بالجريرة ولم يهتك، السريرة، عظيم العفو، حسن التجاوز، واسع المغفرة، باسط اليدين بالرحمة مبتدئ بالنعم قبل استحقاقها.

ألا فصحح منك للعبودية، وقم بحق الربوبية، فإن قربه قربك، وبيته قلبك، ولا سفر إليه إلا أن تخرج عن ديار مألوفاتك، واقطع بحار آفاتك، على سفر عزماتك، ثم الرفيق قبل الطريق، ولا رفيق في هذه المقاطع، سوى العلم

(1) سقط من: أ. (2) كنية إبليس اللعين.

(3) في أ: شيء.