الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ١٦١في الزهد والتوبة وفضل الأعمال في السنن والآداب والاستئذان
161
الإنسان في الثبات على دوام المشاهدات والصبر بقهر الحركات والسكنات والخطرات والإرادات تحت يدي سلطان الحضرات.
ولا يعثر على ذاك من قام وفيه من نفسه بقية من اعتياد أو اجتهاد أو التفات لمراد فإن وضع كل ذلك تحت قدميه، وتوسل بحقيقة الفقر بين يديه، حتى لا يرى لفقر ولا غنى، ونسي القيام والعنا وتناسى الحب والمنى فصرف وجه قلبه إلى حضرة ربه فحينئذ تتجلى فيه الأنوار الروحانية، من الحضرة الربانية، ويكشف له بسليم (1) الذوق عن عظيم المعارف الإلهية فيغيب عن كثيف الناسوت ويسبح في فسيح الملكوت ويشرف على منارة عالم الجبروت، فتفجر ينابيع الحكم من قلبه على لسانه ويشاهد سماع عرفانه، لخطاب الجمادات وتسبيح الكائنات ويرى بعينه مثبوت الحكم في جزائر (2) السفليات ويقرأ منشور العلم من صحائف
العلويات.
فهو كذلك حتى يرى في الأكوان مكونها وفي الحركات مسكنها، فلا يقف هنالك وليرتفع عن ذلك حتى يغيب بالمالك عن جميع الممالك فتلك نهاية السالك فلا يطلب غيره ولا يتعد خيره فذلك طوره وطوره (3) وناره ونوره فإن رد إلى الآثار بكسوة الأنوار، لم يقطع بالمظاهر عن رؤية الظاهر فهو في حال تذليله (4) مثله في ترقيه لأنه محب ومحبوب ومجذوب ومسلوب.
فليبق على ذلك عمره وليقطع فيه زمانه ودهره لعسى أن يمد بعد صعوبة
التلوين براحة التمكين، فيكون قطب زمانه وفريد أوانه.
(1) في أ: لسليم.
(2) كذا في النسختين أ، ب قال أبو مسلم رحمه الله في هامش النسخة أ: لعله جرايد.
(3) كذا في كلا النسختين: أ، ب ولعل الصواب طواره وطوره، قال ابن منظور في اللسان: قال ابو
بكر: وكل شيء ساوى شيئا فهو طوره وطواره.
(4) في أ: تذليه وصححها أبو مسلم رحمه الله بقوله: لعله تدليه.