الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ١٧١في الزهد والتوبة وفضل الأعمال في السنن والآداب والاستئذان
171
فبقي النظر في قادر غير حاضر، أيكون الخروج إلى الحج أفضل له أم معانقة سائر العبادات في بيته فقد مضى القول فيمن شغله من عمل الدنيا والبطالة، فأما غيره من مشتغل بنفس عمل الآخرة من قائم بعدل أو عالم أو متعلم أو متعبد فله حكم المفاضلة بين المقام والخروج.
ولا تصح سبق فانظر أولا إلى نفس عمل الحج كله تجده لا يزيد على بضعة من الأيام ثم انظر في الخروج إليه تجده ما بين ساعة إلى يوم أو شهر أو سنة أو عشر أو يزيد عنها أو ينقص منها، ولا بد من كونه في بر أو بحر إذ لا ثالث لهما، إذا أردنا استكشاف ما فيه من الفضيلة نظرنا فيه من وجهين
المفاضلة إلا بالنظر إلى الجهتين لتمييز الفاضل من المفضول كما
الوجه الأول (1): من حيث أصالة فضله فوجدناه خروجا في طاعة لا تدرك غالبا إلا بخروج فهو بالمعنى نوع من جنس الهجرة إلى الله وَمَن يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا) وكفى بها لمن عقل.
(3)
الوجه الثاني: من حيث العوارض المفيدة لعظيم الأجر فما كان داخلا في دائرة عمل الخروج من حركة وسكون وعسر وشدة وصبر وتعب ونصب ومقاسات كربة وهوان غربة لذلة نفس وفراق وطن وبعاد عن أهل وولد في
أمثالهن فكل ذلك محسوب ومكتوب في منشور أعماله وسيلقاه في مآله. فمن الذي يطمع في إحصاء ثوابه وأجره غير الواهب الكريم فهو الذي
أحصاه عددا وضاعفه مددا بمحض فضله وكرمه
(1) في أ: أحدهما.
(2) النساء 100
(3) في أ: والنظر الثاني.