الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٢١٦216
تمهيد قواعد الإيمان
العدل في هذا الموضع إلا بما يوجبه من القصاص أو القتل (1)، لتساوي الخلق في أحكام الحق فإيلام الجارح أو القاتل بإيلام المجروح أو المقتول سواء بسواء، وتلك جريرته على نفسه فلا نقص ولا مزيد ذلك بما قدمت أيديكم وما ربك بظلام للعبيد، ألا وإن الحكم بغير هذا يقتضي الظلم والجور والله منزه عنه، وقد اتضح أن وقوع هذا فيمن يستحقه ليس من أمر دينه في شيء، وإنما هو جنايته على نفسه لمخالفته أمر دينه، وخروجه خط (2) شريعته، فالدين يسر ولا تكليف فيه، ومن بغى فجريرته عليه يَأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنفُسِكُم (3)}.
عن
وهكذا القول في الحدود والعقوبات التي اقتضتها أحكام السياسة، لإقامة نواميس العدل ذبا عن محارم الله تعالى إذا انتهكت فإنها من واد واحد، وقد اقتضاها مقام العدل بالحكمة والفضل، وليس ذلك مضادا لكون الدين يسر، فإنها في الأصل ليست من العبادات المشروعة على المكلف، ولا مما أمر بالإتيان بما يوجبها قطعا، وإنما اقترفها الفاعل جناية على نفسه، فاستأهلها بحكم السياسة والعدل، صونا عن انتهاك حمى الله تعالى، فإن لكل ملك حمى، وحمى الله محارمه، فانتهاك حرمة الله تعالى أشد من انتهاك حرمة العبيد، باقتحام البيوت وغيرها.
وفي ذلك يهدر الدم بإقامة الحدود في هذا كذلك، ألا وإن هذه الحدود والقصاص والقتل ونحوها، قد أشبهت معاني الحقوق فمن وجب عليه حق في نفس أو مال فلا بد من أدائه لربه، فقد يخرج الغني من أمواله أجمع إذا وجبت عليه الحقوق فيها، ولا بد كما تتضاعف المحنة (4) عليه، ببذل النفس إذا وجب
الحق عليها.
(1) في أ: القصاص والقتل.
(2) في ب: حض.
(3) يونس 23
(4) في ب: المحبة.