الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٢١٧في الزهد والتوبة وفضل الأعمال في السنن والآداب والاستئذان
217
وقد كان قبل أن يجر على نفسه أو ماله في سلامة من ذلك كله، ولم يكن من ذلك في الأصل مما أمر به في دينه، وإنما حصل التكليف به بأسباب خارجية صدرت من فعله، بواسطة هواه ونفسه وشيطانه، فلم يكن في الدين ما يحط الواجب عليه، وليس ذلك بقادح في الدين، ولا مفيد كونه غير يسر، ولا مقتضيا لتكليف ما لا يطاق، فإن عذاب الله تعالى وغضبه هو الذي لا طاقة به لأحد أبداً.
ومن رحمته أن شرع بحكم عدله القود والقصاص، لمن تاب من بغيه، ورام الخلاص، فقد سهل له المخرج من الهلاك الأبدي، وأتاح له الفرج من العذاب السرمدي، ببذل نفس غايتها الموت، ونهايتها الفوت، فكان له في ذلك أوسع رحمة، وأوضح تخفيف، مع قطع النظر عن شدة الإيلام الحاصل في مقام العدل، بحكم القهر، الذي يقتضيه (2) الحال، ولا بد لعدم اتصافه تعالى بالجور، ولكونه الغيور الذي لا يرضى بانتهاك محارمه أصلا، هذا والتحقيق في تكليف ما لا يطاق، أنه على نوعين:
أحدهما مالا طاقة به حقيقة، وعقلا كتكليف القاتل أن يحيي من قتله، أو الجارح أن يبرئ المجروح من جرحه من ساعته، أو أن (3) يرفع عنه الألم قبل اندمال جرحه، أو أن يرد عينا قلعها أو يدا قطعها، أو عضوا باندمال موضعه ونحوه، فهذا الباب من تكليف ما لا طاقة له (4) به، ولا يجوز على الله تعالى يوجبه بعدله على أحد من خلقه، كما لا يجوز تكليفه أن يعرج في الهواء (5)،
أن
أو يرقى في السماء أو يخط القرآن فيثبته على صفحات الماء.
(1) في الأصل (الفرح).
(2) في ب: تقتضيه. (3) في ب من ساعته وإن. (4) سقط من: أ.
(5) رسمت في كلا النسختين أ، ب الهوى.