الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٥١٨518
تمهيد قواعد الإيمان
وأما ما تراني أستعمله من أذان بعد أذان المؤذن لنا، فلأمر ما أوجب ذلك عن نظر صحيح، لمعنى مبيح، وهو أن أصحابنا قد اختلفوا بالاجتزاء بأذان غير الثقة، وكما ترى أكثر من في الورى غير كامل في العدالة، فكان الخروج من شبهة الخلاف (1) أولى تعظيما لحق الصلاة، ومع ذلك فلا يجهر به إلا بقدر ما ﴿لا (2)﴾ يسمع إلا من (3) في المسجد.
وإذا كان الأذان الأول مما لا ينفك عن الاختلاف في الاكتفاء غالبا، فهو يستدعي بمقتضاه استحسان أذان غيره لهذه العلة، خروجا من شبهة الاختلاف، فيجوز الجهر به وإنما نكتفي عن ذلك الجهر الكثير بما دونه، مخافة أن (4) تنسب إلينا السنة من إتباع الأذان بعد الأذان في الصلاة الواحدة، وكان لنا فيه إتباع السنة أيضاً من وجه آخر، وهو إقامة المؤذن لوفاق الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا أذنت فأقم (ه)» وعسى أن نفرد لهذا المعنى إن شاء الله مسألة ثانية فانظر في هذا كله، واعلم أن الأذان والإقامة من باب واحد، وكلاهما أذانا يسمى بدليل ما في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: بين كل أذانين صلاة لمن شاء (6)) يعني
(1) في أ: الاختلاف.
(2) سقط من: ب. (3) في ب: يسمع الأمر. (4) في ب: بأن.
(5) لم أجده بهذا اللفظ واقرب لفظ إليه ما رواه جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لبلال: «يا بلال إذا أذنت فترسل في آذانك وإذا أقمت فأحدر واجعل بين أذانك واقامتك قدر ما يفرغ الآكل من أكله والشارب من شربه والمعتصر إذا دخل لقضاء حاجته ولا تقوموا حتى تروني». أخرجه الترمذي في سننه أبواب الصلاة باب ما جاء في الترسل في الأذان (1/ 373، رقم 195)، وعبد بن حميد في مسنده ده (1/ 310، رقم (1008)، والحاكم في المستدرك (320/ 1، رقم 732)، والطبراني في المعجم الأوسط (567/ 2، رقم 1973)، والبيهقي في السنن الكبرى كتاب الحيض باب ترسيل الأذان وحدم الإقامة (428/ 1، رقم 1858). (6) رواه الإمام البخاري وغيره عن عبد الله بن مغفل المزني قال واللفظ للبخاري: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «بين كل أذانين صلاة ثلاثا لمن شاء». وفي الباب عن أنس وعائشة رضي الله عنهما.
أخرجه الإمام البخاري في صحيحه كتاب صلاة المسافرين وقصرها باب بين كل أذانين صلاة