الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٥٢٤524
تمهيد قواعد الإيمان
يونس (1)} بن متى سلام الله عليه إذ ساهم فكان من المدحضين. فالتقمه الحوت وهو مليم فإنها لم تذكر هنالك لمعنى التشريع لنا، وإنما ذكرت لمصلحة أخرى، ولفائدة جليلة يدر بها من هو بها أدرى فهي من باب قصة إبراهيم الخليل عليه السلام في ذبح ابنه برؤيا المنام، ومن باب ما جرى للعبد الصالح المعبر عنه بالخضر عند المفسرين من خرق السفينة، وقتل النفس الزكية، بغير حق موجب للقتل، في حكم الظاهر، ومثل هذه الأمور في حق الأنبياء عليهم السلام، من جهة الوحي، فإنها من أمر الله تعالى، بلا شك وذلك خاص بهم، لا يمكن لغيرهم القياس عليه أبدا، وإلا لجاز لمن رأى ذبح ابنه في المنام أن
يذبحه.
وبالإجماع إن هذا باطل فهو ضلال وردى، كما لا يجوز أن يحتج لهذا الباب بما ذكر عن بعض الصحابة (2) أنه كان يتقي بنفسه الضرب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وربما جاز مثل هذا حتى في غيره صلوات الله عليه أراد فإن للجهاد شأنا آخر، فإنه الذي يستدعي بمقتضاه بذل النفس بخوض الغمرات، واقتحام بحار الموت، فالمجاهد بائع لنفسه، معترض للشهادة إلا أن يريد الله حياته، فكلما كان أسرع في بذل نفسه بين الجنود، لطعن القنا، وخفق البنود، فهو أجل لمقامه، وأعظم لأجره، وأرضى لربه، وإن أعلى منزلة فيه وأرفع مكانة منه تقديمها للموت بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم في الوقاية لذاته الكريمة، بنفس ترى الشهادة لها أعظم قيمة، والفضل الله الكريم إذا تقبل من عبده نفسا هي من عنده، وأثابه بها الجنة من رفده ووعده عليها من عظيم الجزاء ما تقصر العقول الكاملة عن البلوغ إلى
(1) سقط من: أ. (2) هناك اكثر من صحابي دلت عليه شواهد السنة أنه كان يترس نفسه دون رسول الله صلى الله عليه وسلم بل كان الصحابة جميعهم يحرصون على التضحية بأرواحهم دون رسول الله صلى الله عليه وسلم بل الصحابيات أيضا كما هي أم عمارة رضي الله عنها.