الجزء الرابع
الجزء ٤ · صفحة ٢٩٢292
تمهيد قواعد الإيمان
بذلك عن تعريف ما يجب القصر فيه.
ولعمري إن من نظر إلى أسرار تنويع التكليف وتفنينه وتنقل المكلف في اختلاف حالاته فتارة من نقص إلى تضعيف وأخرى من زيادة إلى تخفيف علم بصدق الفهم عن الله تعالى أن تحت ذلك من عظم العناية وسعة الرحمة وشمول اللطف من الله الكريم ما تعجز عنه العبارة ويقصر عن مداركه مبلغ الوهم والإشارة فسبحان من دقت في كل شيء حكمته ووسعت كل شيء رحمته. فإن قلت: فمن أين ثبت الإجماع على صلاة المسافر تماما مع الإمام المقيم وما الدليل على ذلك ولعل هذا الإجماع لم يصح وعلى من ادعى ثبوت الإجماع في ذلك إقامة الدليل؟.
الجواب:
إن الإجماع هو الدليل القاطع فلا دليل عليه من غيره لأنه هو الدليل على غيره وإذا احتاج ثبوت الحجة إلى حجة أخرى لزم التسلسل وبطل فصل الخطاب وإنما يتصور السؤال في هذا من معنى واحد وهو الجهل بالإجماع ما هو وما حقيقته حتى يعلم أنه إجماع ولا بد للسائل عن هذا من أن يكون أحد رجلين:
إما أن يعرف الحق بنفسه وبه يعرف ما سواه مما يجوز (1) تعريفه به وهذا خاص بأولي الأذهان السليمة والعقول المميزة (2) بشرط استعمالها بواسطة الفكرة في مقدمات القياس المنتج للبرهان الفارق بين الحق والباطل وقليل هؤلاء في الناس.
وإما أن لا يعرف الحق إلا بغيره وإن عرضت له لوائح الصواب في عقله
(1) في أ: بجوز.
(2) في ج: المنيرة لعله المميزة.