الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٢٢٩العلم وطلب العلم والعلم النافع وخلق القرآن والناسخ والمنسوخ منه
229
وتعمد إلى خلوة طاهرة خالية من حسوس البشر، وينبغي أن يكون ذلك في بيت ضيق مظلم، وإن لم يتفق ذلك ففي حيث أمكن من الخلوات، في بيت أو مسجد أو كهف، أو جبل أو شيء من السيوح والأودية، وتكون صائما نهارك كله في مدة الخلوة وفطرك على ما ليس فيه روح، ولا خرج من روح من الأكل اليسير، مقدار ما يقوى به على أداء الفرائض، وذكرك في هذه المدة كلها ﴿أعني مدة الخلوة (1)﴾ اسم الجلالة، وحده هكذا الله الله الله إلى أربعين يوما، لا تفتر عنه ليلا ولا نهارا إلا فيما لا بد منه من الصلوات اللازمات من الفرائض والسنن المؤكدة، ولا تنم إلا عن غلبة، ومتى انتبهت تداركت الذكر في الحال. وإن احتجت إلى صاحب يناولك طعامك وشرابك، فلا يضرك ذلك، ولكن لا تكثر الحديث له، ولا يضرك إن حدثته بالقليل فيما لا تجد بدا عن ذلك، وينبغي أن تحضر في مجلسك ما تقدر عليه من الطيب، وتطيب نفسك وثيابك والموضع.
واحذر إذا انكشف لك شيء من الأسرار أن تشتغل به عن وردك، بل كن كأنك لم تر شيئا من ذلك أصلا، فما ترتقي من كشف إلا وجدت وراءه ما هو أكبر منه وأجل، والغزالي (2) لا يشترط في ذلك مدة معلومة، ولكن يقول: تبقى على ذلك (3) الاسم إلى أن تجد قلبك حاضرا فيه الاسم، كأنه يتكلم به، ولو لم
تنطق لسانك.
(1) سقط من: ب.
(2) محمد بن محمد بن محمد الغزالي الطوسي أبو حامد حجه الإسلام فيلسوف، متصوف، له نحو مائتي مصنف ولد سنة 450 هـ في الطابران قصبة طوس بخراسان رحل إلى نيسابور ثم إلى بغداد فالحجاز فبلاد الشام فمصر، وعاد إلى بلدته وفيها توفي سنة 505 هـ نسبته إلى صناعه الغزل عند من يقوله بتشديد الزاي أو إلى غَزالة من قرى طوس لمن قال بالتخفيف. من أشهر كتبه إحياء
علوم الدين.
(3) في ب: ذكر.