الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٣٩٥التوحيد وما يجوز من الصفات لله تعالى وما لا يجوز حقيقة ومجازا
395
واحدة، هذا باطل لا يكاد يقبله عاقل، بل الحق أنهم كانوا من قبلها مؤمنين، ثم صاروا بتلك الكلمة الشنعاء زايغين عن الحق، مرتدين عن الإسلام، كفارا
مشركين، شهد عليهم كتاب الله بذلك شهادة لا مرية فيها عند العارفين. وليس بدعا هذا في بني إسرائيل، فقد عبدوا العجل وقالوا: {يَمُوسَى أَجْعَل لَنَا إِلَهَا كَمَا هُمْ وَالِهَهُ (1) كما قالواله في هذه: لَن نُّؤْمِنَ لَكَ (2) وإنهم لم يصدقوه في قوله بحكم الامتناع من الرؤية لما غلب على عقولهم من الضلالة، ولشدة حرصه على إيمانهم وقوة طمعه في إنقاذهم من الهلكة، كما هو دأب المرسلين وعادة الأنبياء، أراد أن يسمعهم من كلام الله في ذلك ما يرتفع به نزاعهم، وتنقطع به أطماعهم، وأي فائدة أعظم من هذا، وأي عبث به.
فإن كان الكافر لا يعتنى به، والمعاند لا يعبأ به، فلأي شيء أنزلت الكتب، وأرسلت الرسل، ولأي معنى نتق الجبل عليهم، لقول (3) الشرائع والأحكام، ودك الجبل لهم ليعلموا استحالة الرؤية على ذي الجلال والإكرام، فهما من باب واحد، وأفعال الله تعالى وآياته كلها منزهة عن العبث واللعب، {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَعِبِينَ (4).
وأما قوله: وما معنى الإدراك في قوله تعالى: {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَرَ (5) فإن قلت: معناه هو الرؤية مطلقا، فلا دلالة فيه على عموم
الأوقات والأحوال، بل قد تمكن في بعض ولبعض. انتهى.
وعسى
أن يقال على أثره: ظاهر الآية الشريفة يؤذن بعموم النفي، ويقضي
(1) الأعراف 138
(2) البقرة 55 (3) في أ: لقبول.
(4) الأنبياء 16 (5) الأنعام 103