الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٤١٦416
تمهيد قواعد الإيمان
ولما كان مثل هذا لا يكون إلا من مريد قادر قهار، قابض مدبر علي عظيم، خبير عليم متقن، حکيم متصرف خالق، باري،مصور، فعال لما يريد وصف بالإرادة والمشيئة والقوة والقدرة والكبرياء والعظمة، والقهر والغلبة والعلم والحكمة، وهكذا فكانت أسماء هذه الصفات ومعانيها بمقتضى مدلولاتها، وهو معنى قولنا: بحسب تأثر أعيان الوجود وانفعالها للذات العلية، فالفاعل واحد، وذاته كافية في كل ما يريد، والأشياء كلها منفعلة لذاته على وفق إرادته فهو الفاعل بذاته خالق بها محدث، مخترع موجد معدم منشيء مبدئ معيد بذاته الكريمة، كما هو عليم بذاته سميع بصير بها.
ولا يتصور في بال عاقل أبداً أن يكون الإله محتاجا إلى غيره في شيء من أفعاله، مفتقرا إلى وزير ومعين (1)، ومدبر ومشير، وهذا باطل، والحق أنه هو الغني بذاته (2) والفعال لما يريد بها لا بشيء آخر، فإرادته وأمره وفعله غير مقصورة على العلل والطبائع والأفلاك، والكواكب والعقول، والنور والظلمة والدهور سبحانه وتعالى عن ذلك، فهو فاعل كل ذلك وخالقه، ومحدثه ومخترعه ومكونه قبل الأكوان والعلل والأزمان، وكان في أزله قادرا قويا بذاته على خلق كل ذلك وإتقانه وإخراجه من غيب العدم الكلي إلى ظهور الوجود الشهودي كما شاء وأراده من غير استعانة بشيء، ولا احتياج إلى شيء، كان الله ولا شيء معه، وهو الآن على ما كان عليه.
وهكذا القول في سائر صفاته وأفعاله، فإن أسماء الصفات والأفعال، إنما كانت متعددة كثيرة، لكثرة معلوماتها، وتعدد مدلولاتها، تقريباً لأفهام العباد ليتوصلوا بها إلى معرفته التي هي سبب فلاحهم، وكيمياء سعادتهم، والأصل في صفاته تعالى أنها شيء واحد في الحقيقة، باعتبار تجلي ذاته المقدسة على كل شيء،
(1) في أ: معين ووزير.
(2) سقط من: أ.