الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٤٨١التوحيد وما يجوز من الصفات لله تعالى وما لا يجوز حقيقة ومجازا أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (1).
481
قيل: لم يقل إنك الغفور الرحيم، لأنهم ليسوا ممن يستحق الرحمة، ولا يستأهل المغفرة لإصرارهم على الشرك، ومجاهرتهم بالكفر، لكنه بحسب استغراقه في مشاهدة جلال الله وعظمته وكبريائه، قال ذلك بمعنى أنك لو غفرت لهم، وإن كانوا غير مستأهلين فإن ذلك لا يقدح في حكمتك، ولا ينقص من عزتك، فانك قادر على كل شيء حكيم في كل حالة غير مغلوب ولا مقهور، فلا تحكم عليك فيما تفعله: لَا يُسْلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْتَلُونَ (2)).
ومن مثل هذه الآيات العظيمة، والمعاني البديعة، اقتبس شيخنا الكدمي جزاه الله خيرا القول بأنه لو أثاب العاصي، أو عاقب المطيع، لم يكن ذلك منه ظلما، وتبعه على ذلك الشيخ ناصر بن أبي نبهان جزاهما الله خيرا، وأما من نظر في الأصول الشرعية، بحسب القواعد الفقهية، وبنى الجواب على الأحكام الظاهرية قال: إن الله سبحانه وتعالى قد نزه نفسه، وتقدس عن أخذ العباد بغير ما يستأهلون من العقوبة في حكم الظاهر، وقد نفى ذلك عن نفسه، وتبرأ منه لأنه في صورة الظلم، وإن كان مقتضى الحقيقة غيره، فإن حكم الظاهر يستجل على كونه (3) ظلما، ويجوز إطلاقه في التسمية كذلك بحسب المشروعية، وأي محاذرة من ذلك بعد ما أخبر الله عن نفسه أنه لا يفعله، وأنه ظلم لو فعله وقد أخبر الله عن نفسه (4) في غير موضع من (5) كتابه قال تعالى: {ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌّ وَنُذِيقَهُ، يَوْمَ الْقِيَمَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ) ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ
(1) المائدة 118
(2) الأنبياء 23
(3) في أ: حكمه.
(4) عبارة النسخة أ: وقد أخبر الله لا بذلك عن نفسه.
(5) في ب: عن.