تمهيد قواعد الإيمان وتقييد شوارد مسائل الأحكام والأديان سعيد بن خلفان بن أحمد الخليلي أبو محمد، الشهير بـ "المحقق"

الجزء الثالث عشر

الجزء ١٣ · صفحة ٤٩٣

تفسير سورة الفاتحة

493

الكائنات

فهذا سر القدر، وضابط معرفته قطع النظر عما سوى الله في جميع اعترافا بأن الكل مسخر مدبر لا بد له من مدبر قادر حکيم عليم، يدبره (1) کما يشاء فلا مشيئة إلا له ولا حول ولا قوة إلا بالله

وانظر إلى باب المدينة (2) كيف سماه إسلاما ثانيا إشارة إلى أنه مرتبة زائدة على التي كان هو فيها، وكيف وصفه بالسكينة، وثلج اليقين، فهذا مقام الإيمان، وهو بداية الترقي في مفتاح معرفة الحقيقة بسر المجاهدة والفكر فيما ذكرناه ومتى ثبت العهد عليه بصدق المجاهدة لم يلبث به الحال أن يورثه مقاما آخر، وهو العلم بالله، والخوف والخشية والهيبة والتعظيم والرجاء حتى لا يرى لغير الله متسعا في قلبه، فلا يكون في همه إلا هو، ولا يطمح نظره إلا إليه.

فهو مع الله وبالله ﴿و في الله (3)﴾ وإلى الله على كل حال، فهذا مقام الإحسان وهو الدرجة الثالثة التي هي فوق الإيمان، والواصل إليها قد استكمل الدرجات التي هي دونها، وعلا إلى الدرجة الحسنى والمرتبة العليا واللطيفة الفضلى والطريقة المثلى، فهو حينئذ لا يملك من نفسه خبر ا (4) ولا من قلبه أثرا، فلا يرى إلا كالهائم، بالشوق الدائم مسلوب القلب مغلوب الحال عائما في بحور المحبة بصدق الوفاء، وكمال الصفاء، وبذل الجهد، بإخلاص الود، ألا ترى إلى قول صاحب الشرع عليه الصلاة والسلام وقد سئل عن الإحسان فقال: «أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك (5)).

(1) في أ: يدبر.

(2) أي علي بن أبي طالب.

(3) سقط من ب.

(4) في ب: خيرا.

(5) رواه الإمام الربيع بن حبيب رحمه الله من طريق أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم بلفظ: الإحسان أن تعمل الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك».