الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ١١١في الولاية والبراعة والرد على المدعين بالخروج من النار فيكون ذلك سوطا لنفسه ينهضها للعبادة ويدعوها للزهادة.
111
وآخر مشغوف بالجنة وقصورها وولدانها وحورها، منزعج القلب إلى ما يرجوه من فضل ربه العظيم، وسعة عفوه وشمول رحمته، وما أعد في الجنة لأوليائه إنه البر الرحيم، فيكون ذلك هو باعثه إلى الاجتهاد في العبادة والأوراد، كما قيل في الحديث المشهور عن النبي ا ل: النار لا ينام هاربها والجنة لا ينام
طالبها (1)».
أن ويروي عيسى عليه السلام مر بقوم قد اصفرت ألوانهم وتغيرت من الحزن أبدانهم فسألهم ما شأنهم، فقالوا نخاف من النار، فقال: حق على الله أن يؤمن الخائفين، ومر بآخرين على تلك الهيئة فسألهم فقالوا: شوقا إلى الجنة فقال: حق على الله أن يبلغ الراجين ومر بآخرين على تلك الهيئة وأشد، فسألهم فقالوا: محبة الله وشوقا إليه، لا خوفا من نار ولا شوقا لجنة، فقال: هؤلاء عبدوا الله على الحقيقة.
وليس في هذا ما يدل على أنهم لا يرجونه ولا يخافونه كلا بل هم أعرف الخلق به وأخوفهم منه وأرجاهم له بل المراد أن معرفتهم بالله متمكنة فلا يزعجهم خوف نار ولا رجاء جنة ولا غيرها، ولا يشغلهم عنه شيء من الدنيا ولا الآخرة، فرجاؤهم ومخافتهم منه وله خصوصا لا ينظرون سواه، ولا يشتغلون بغيره، ولا يلتفتون إلى ما عداه قد ارتفعت هممهم عن الأسباب إلى المسبب
(1) الحديث بتمامه من رواية كليب بن حزن قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «يا قوم اطلبوا الجنة جهدكم واهربوا من النار جهدكم فإن الجنة لا ينام طالبها وإن النار لا ينام هاربها ألا إن الآخرة اليوم محففة بالمكاره وإن الدنيا محففة بالشهوات». وفي الباب عن أبي هريرة وأنس رضي الله
عنهما.
أخرجه الترمذي في سننه كتاب صفة جهنم (4/ 715، رقم 2601)، والشهاب القضاعي في مسنده (14/ 2، رقم (791)، والطبراني في المعجم الأوسط (2/ 379، رقم 1660)، وأخرجه أيضا في المعجم الكبير (19/ 200، رقم 449).