الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ١١٨118
تمهيد قواعد الإيمان
أو ليس كذلك والله تعالى يقول لنبيه: {لِتُنذِرَ قَوْمًا مَا أُنذِرَ آبَآؤُهُمْ فَهُمْ
غفِلُونَ (1) لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أَتَنهُم مِّن نَذِيرٍ مِن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (2) فتفضل علينا بتأويل هذه الآيات، وبتفسير هذه المحكمات، وما الفرق بين معنى الأولى والتاليات فإنهن عندنا من المشكلات جزاك الله على ذلك جنانا وخيرات
وقصور وغرفات.
الجواب} (3):
قال: والذي عندي في هذا أن سنة الله تعالى قد جرت في عباده، كما اخبر في كتابه أنه لا يعذب قرية عذابا يستأصلها ويهلكها إلا بعد إقامة الحجة عليهم بالإنذار، وبعثة الرسل، كما جرى لقوم نوح وهود وصالح وشعيب ولوط وغيرهم، فهو قوله: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (4) وقوله تعالى: وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمَهَا رَسُولاً (5) وأنه لا يراد بذلك عذاب الآخرة، ولا هلاكها، وإنما يراد به عذاب القرى بإهلاك أهلها بالتدمير والخسف والإغراق والرجفة وغير ذلك.
وإن عذاب الآخرة له حكم آخر يخص الأفراد في معنى إقامة الحجة عليهم بموجبات العقل تارة، وبالسماع من المنذرين من الرسل أخرى، وقد أقام عليهم الحجة العقلية صريحا بما ركب فيهم من الفطرة السليمة التي تشهد له بالوحدانية، وذكر ذلك في كتابه، قال: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى (6) ثم شهد عليهم بذلك
ذُرِّيَّتَهُمْ
(1) يس 6
(2) السجدة 3
(3) كلمة الجواب زيادة من المحقق.
(4) الإسراء 15
(5) القصص 59
(6) الأعراف 172
)