الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٣١في تفسير شيء من الأحاديث النبوية والألفاظ العربية
31
عقوبتك (1)» فما وجه هذه الاستعاذة بالرضا والعفو والمعافاة وهي من الصفات والأفعال وكيف جاز العدول عن الاستعاذة بالله تعالى إلى الاستعاذة بالرضا والعفو والمعافاة وما وجه ذلك إن قال قائل بجوازه؟.
الجواب:
إنه جرى في مثل هذا الدعاء على ما عليه عادة العرب من الإتيان بمعاني الاستعاذة والتخييل إذا قصدوا معنى المبالغة في القول جزالة أو لطفا وإنه لمن أعظم شعب البلاغة، وأوسع مناهج الفصاحة فإنه جعل الصفة أو الفعل كالشيء القائم بذاته تفخيما وتلطفا في الخطاب وتأنقا في العبارة، واستمدادا للفيض بذكرها وإن لم تكن هي المقصودة بالأصالة ولا المراد بالتحقيق وإنما المراد والمقصود بذلك نفس الموصوف بتلك الصفة لا غير.
ومثل ذلك شائع في كلام العرب مطرد في أساليب كلامهم مشهور في أعاجيب نظامهم، لا يكاد يخلو منه شعر فصيح من بلغائهم، ولا نثر بليغ من فصحائهم كما قال الشاعر:
أيا جود معن (2) ناج معنا بحاجتي فمالي إلى معن سواك رسول (3)
(1) تقدم تخريجه. (2) معن بن زائدة بن عبد الله بن مطر الشيباني أبو الوليد من أشهر أجواد العرب وأحد الشجعان الفصحاء أدرك العصرين الأموي والعباسي، وكان في الأول مكرماً يتنقل في الولايات، فلما صار الأمر إلى بني العباس طلبه المنصور، فأستتر وتغلغل في البادية، حتى كان يوم الهاشمية وثار جماعه من خراسان على المنصور وقاتلوه فتقدم معن وقاتل بين يديه حتى أفرج الناس عنه، فحفظها له المنصور وأكرمه وجعله في خواصه وولاه اليمن ثم ولي سجستان فأقام فيها مدة،
وابتنى داراً، فدخل عليه أناس في زي الفلعة (العمال) فقتلوه غيلة سنة 151 هـ. (3) البيت لأعرابي مرّ على قصر لمعن بن زائدة فمنعه الحاجب من الدخول عليه، فأخذ خشبة وكتب عليها:
أيا جود معن ناج معناً بحاجتي فمالي سواك عند معن شفيع
ورماها في النهر الذي يمر بقصر معن بن زائدة، وكان معن في الطرف الآخر ومرت من جواره فأخذها وقرأ الأبيات، ثم نادى على الحرس وأمرهم أن يحضروا من يروه قريبا من النهر في خارج