الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٣٢32
تمهيد قواعد الإيمان
ألا تراه كيف جعل جود معن كالشيء السامع للخطاب ثم سأله أن يشفع له إلى معن ثم زعم أنه رسول إليه وأن لا رسول له سواه، والجود صفة من صفات البشر لا تصلح لشيء من الخطاب ولا تقدر على رد الجواب وإنما جاء بها على معنى التخييل (1) والتصور بأن أنزلها في منزلة من شأنه أن يفعل ذلك لإرادة التعظيم لها والتفخيم، لأن تعظيمها هو نفس التعظيم لمعن بحيث (2) نعته بجود تلك صفته وليس الحقيقة إلا أنه يخاطب معنا بعبارة تضمنت الثناء عليه بوصفه بجود لا يكاد تدرك صفته بغير هذه العبارة. فلو قيل (3): قال يا معن يا ذا الجود العظيم الذي لا يحصى ولا يحصر لم يكن به من نظرية المديح وغرابة المعنى وشدة الاختصار وهزة النفس له ما يقرب ﴿من (4)﴾
هذا أو يدانيه ولكن لا يشرف على بحر البلاغة إلا من أمده الله بذوق سليم.
وكم على أمثال هذه المعاني قد تتنافج الأدباء وتتنافس الخطباء وما زالوا (ه) يتألقون في ذلك ويتدققون فيه حتى جردوا من نفس الكرم كرما وجعلوا للشعر شعرا وقد افتخرت بذلك شداتهم وتغنت به حداتهم وكفى بهم فخرا بأن ورد بلسانهم العذب كتاب الرب جل ثناؤه فتكلم (6) في العبارة عن نفسه لمعاني
القصر، فأحضر الأعرابي بين يدي الأمير، معن، فقال له معن: أنشدنى ما كتبت فأنشده الأبيات فأمر له بعشرة آلاف درهم ثم انصرف الأعرابي، وفي الغد طلب معن بن زائدة الأعرابي نفسه، ثم قال: أنشدني ما قلت، ففعل فأعطاه مثل ما أعطاه. وفي الغد فعل مثل ذلك أيضا، حتى إذا أخذ الأعرابي المال هرب خارج المدينة ظناً منه أن معنا سيسترد ما أعطاه إياه فلما طلبه معن لم يجده الحرس فقال: لقد ظن بي سوء، ولو أنفقت ما عندي من مال كله لما أوفيت بيته حقه.
(1) في ب: التخيل. (2) في ب: من حيث.
(3) في أ: قال.
(4) سقط من: ب.
(5) في أ: يزالون. (6) في أ: فتلكم.