الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٣٨38
تمهيد قواعد الإيمان
الوجه الأول.
وثانيهما: أنه لما استعاذ من السخط والنقمة والعقوبة، انكشف له بنور النبوة أن تعديد عقوبات الله تعالى وغضبه ومكره واستدراجه وشدة بطشه، أنه لا سبيل إلى استقصائه بالتفصيل.
واعلم أن حقيقة الخوف لا يكون إلا من الله سبحانه وحده كما قال في كتابه المحكم: {وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ (1) قال: مالي وللأفعال والصفات فرجع عنها إلى خطاب الذات فقال: أعوذ بك منك لا مخوف سواك ولا أخشى شيئا بالحقيقة إلا إياك وهذا هو الأليق بمقامه.
ألا ترى من حضر عند بعض الملوك وهو من أهل الجرائم إن سأله العفو عن القتل بالسيف أو الضرب، جاز أن يعاقبه بالقيد أو التغريق أو السجن أو الهدم أو التحريق (2) وغيرهن، ولو سأله بالتفصيل ما أمكن أن يسأله لجاز أن يكون في علم الملك شيء من ذلك لا يعرفه هذا السائل ولا يهتدي إليه إلا إذا سأله الأمن منه فيه يرتفع كل مخوف ويندفع كل محذور يتوقع من تلك الجهة ويشهد بهذا ما أردفه به من قوله: «لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك (3)) فانظر كيف ترتب هذا الدعاء الشريف على نسق البلاغة التي لا يكاد يدركها غيره صلوات الله عليه، فإن بدايته (4) بالتفصيل: «أعوذ برضاك من سخطك، وأعوذ بعفوك من نقمتك، وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك (ه)) ثم لما كان المعنى غير مستوعب لأصناف ما يستعاذ منه أردفه بجملة لم يترك معها مقالا لقائل فقال: وأعوذ بك منك ثم استضعف نفسه وسؤاله فرتب عليه مع الإقرار
(1) آل عمران 28
(2) في ب: والهدم والتغريق.
(3) تقدم تخريجه.
(4) في ب: رأيته.
(5) تقدم تخريجه.