الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٥١في تفسير شيء من الأحاديث النبوية والألفاظ العربية
التي هي
51
ذل العبودية لهم، فلو أن أحدا جلس قبل الإذن ﴿منهم﴾ له لعدوه من الكبائر لا تغتفر، وأذاقوه عليها من أليم العذاب ما ليس عليه مصطبر، فهذه الحالة التي يستأهل أن يتوعد عليها ذلك الحديث المبرطم بغضب الله وعذابه. قلت له: فمن قدم على أخ له في دين أو صاحب في دنيا، فقام له محبة وتكريما، هل يشمله هذا الوعيد، أفلا تخبرني به، فإني من ذلك في خوف شديد، وعسى أن تفرج عني هذه المعضلة، فإني أراها من المسائل المشكلة؟.
قال: قد اختلف الفقهاء في ذلك فقال بعض: بشمول الوعيد هنالك، لأن القادم إن سر به فهو هالك بظاهر الحديث، وإن لم يسر به فهو عمل لا طائل تحته، فلا يؤجر عليه، وفيه فتنة للقادم، وتعريض به للهلكة إن لم يتداركه الله بعصمته، وكان له عن ذلك مندوحة بتركه فلا تخشى في الدين غائلته، وقد لصاحب هذا القول بما يروى عن بعض الصحابة: «كنا لا نقوم لرسول الله صلى الله عليه وسلم لما نعلم من كراهيته لذلك (2)) وإذا كان هو في جلالة قدره، وعظيم شأنه كذلك في تركهم للقيام له، فما ظنك بغيره (3).
يحتج
وقال آخرون: إذا احتمل القادم السلامة من حب القيام له لم يحرم، لأن الوعيد إنما ورد في السرور بنفس القيام له (4)، لا في القيام نفسه، والمؤمن يحمل على حسن الظن به ولكنه موضع خطر، فينبغي التحرز منه، وهو قريب من
الأول.
(1) سقط من: ب.
(2) الحديث من طريق أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «ما كان شخص أحب إليهم رؤية من رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانوا إذا رأوه لم يقوموا إليه لما يعلمون من كراهيته لذلك».
أخرجه الترمذي في سننه كتاب الأدب باب ما جاء في كراهية قيام الرجل للرجل (90/ 5، رقم 2754)، والإمام أحمد في مسنده (3/ 250، رقم 13648)، والإمام البخاري في الأدب المفرد
(326/ 1، رقم 946). (3) يؤيد ذلك حديث أبي مجلز الآنف ذكره. (4) في أ: به.