الجزء الثالث ـ القسم الأول
الجزء ١ · صفحة ١٢١الطوفان الجارف لكتائب البغي والعدوان
الصحيح من غيره وبلوغهما أعلى المراتب في الاجتهاد والإمامة في وقتهما (1)، وما كان في غيرهما لا يعمل به حتى ينظر وتوجد فيه شروط الصحيح، ولا يلزم من إجماع الأمة على كونها صحيحة حسب مصطلح المحدثين بإجماع (2) على العمل بمضمونها كما قال الترمذي في حديث ابن عباس الله في الجمع بين الصلاتين بالمدينة الذي أخرجه مسلم في "صحيحه" أنه غير معمول به، ولا على كونها مقطوعا بأنها من كلام النبي لا لا لا له في الواقع، فإن الأمة مأمورة بالعمل بالظن حيث لا يطلب القطع، والظن قد يخطئ وذلك كالقاضي فإنه مأمور بالحكم بشهادة من كان عدلا في الظاهر، وكونه مأمورا بذلك لا يدل على أن شهادة العدل لا بد أن تكون مطابقة للواقع وثابتة في نفس الأمر لاحتمال أن يكون قد شهد بخلاف الواقع إما لوهم وقع له إذا كان عدلا في نفس الأمر أو لكذب لم يتحرج منه إذا كان عدلا فيما يبدو للناس فقط، والقاضي على كل حال قد قام بما وجب عليه، نعم إذا وقع الإجماع على العمل بمقتضى خبر بعينه أو تلقي الأمة لمضمونه بالقبول تعاملا وتصديقا فحينئذ يفيد العلم بصحة مضمونه في الواقع وكونه معمولا به في نفس الأمر، ولو لم يكن الإسناد صحيحا لما تقدم منا بسطه في بحث المشهور الأصولي، وهذا فرق دقيق لم يتنبه له ابن تيمية وغيره من أنصار ابن الصلاح رحم
هم الله،
وأيضا فوقوع الإجماع على أصحية الكتابين وعظم شأنهما وتقدمهما على غيره ليس معناه أصحية كل حديث فيهما بالنسبة إلى ما سواهما بل أصحية الجملة على الجملة وتقدمها عليها، وهذا كما اتفق الجمهور على تفضيل "صحيح البخاري" على "صحيح مسلم"، وصرح الزركشي وغيره من المحققين بأن ترجيح كتاب
(1)
سيأتي له أن هذا ليس على إطلاقه.
(2) كلا لم يجمع المحدثون على ذلك كما سيتبين لك ذلك قريبا -إن شاء الله تعالى-.
115