الطوفان الجارف لكتائب البغي والعدوان (الجزء الثالث) سعيد بن مبروك بن حمود القنوبي

الجزء الثالث ـ القسم الأول

الجزء ١ · صفحة ١٣٦

الطوفان الجارف لكتائب البغي والعدوان

الجاحدون، الذين يتلمسون سقطات الروايات تجري على أسلات الأقلام والألسنة في تراث الإسلام ولاسيما إذا سقطوا على تلك السقطات في كتب لها في أنفس المسلمين قدرها واحترامها وتنزل من قلوبهم منزلة التقديس والإعزاز، مروية عن أشخاص لهم هالات الإجلال والإكبار في تاريخ الإسلام.

هذه الأبطولة ونظائرها مما يجب التوقف في قبولها، بل مما يجب رفضها وإبطالها،

وإن تكن قد ألصقت بحديث ارتفع بصحة سنده ومكانة راويه ومخرجه عن مشارات

الضعف الحديثي والوهن في الرواية.

جاءت هذه الأبطولة بلاغاً - في رواية كتاب (التعبير) من "الجامع الصحيح"

للإمام البخاري، ملصقاً: بحديث

(بدء الوحي عن معمر، أو عن شيخه ابن شهاب الزهري، قال: وفتر الوحي فترة حتى حزن النبي الله فيما بلغنا حزناً غدا منه مرا مراراً كي يتردى من شواهق الجبال، فكلما أوفى بذروة جبل لكي يلقي منه نفسه تبدى له جبريل، فقال: يا محمد إنك رسول الله حقاً، فيسكن لذلك جأشه وتقر نفسه، فيرجع، فإذا طالت عليه فترة الوحي غدا لمثل ذلك، فإذا أو فى بذروة جبل تبدّى له جبريل فقال مثل

ذلك.

هذا البلاغ اللصيق بحديث بدء الوحي باطل زائف، وذلك من وجوه: الأول: أن القاضي عياضاً وهو من جهابذة الحديث وأعلام أئمة السنة النبوية المطهرة، وهو صاحب الموقف السديد المحكم في توجيه عبارة: "لقد خشيت على نفسي" الواردة في الحديث وتقحم المتخرصون في تفسيرها وبيان المراد منها كل صعب منكر، حتى جاءها عياض ووضعها في مكانها من قصة بدء الوحي ضعف هذا البلاغ بأن صاحبه: معمر أو الزهري لم يسنده، وهذا مطعن فيه من جهة سنده، فلا وجه لقبوله بل ينبغي طرحه ورفضه، ودعوى أن عدم إسناده لا يقدح في صحته كما يقول الزرقاني في "شرح المواهب"- دعوى واهية لا تقوم على قدم صحيحة، ولكنها تعتمد علـ

130