الجزء الثالث ـ القسم الأول
الجزء ١ · صفحة ١٤٩الطوفان الجارف لكتائب البغي والعدوان
الثلاث المذكورة فيه هي مدة فترة الوحي، وقد استبعدنا ذلك، وغير ما ذكر السهيلي أن مدة فترة الوحي جاءت في رواية مسندة أنها كانت سنتين ونصفا، وهذا اختلاف يحتاج إلى ترجيح، فإن لم يكن فقد وجب الوقف عن إعمال بعض وترك الآخر.
وقد ثبت في "الصحيح" أن النبي الله تحدث عن فترة الوحي، ولم ترد في كلامه كلمة واحدة تشعر بما تقحمته هذه التخرصات الباطلة، والمزاعم الفاسدة التي جاءت في بلاغ الحزن اليائس من أنه لو كان مدة فترة الوحي يغدو إلى ذرا شواهق الجبال ليرمي من فوقها، لما انتابه من حزن يائس على فتور الوحي، ومعاذ الله أن يكون هذا المنكر قد دار في خلد محمد رسول الله سيد الخلق.
نفسه
أخرج الشيخان البخاري ومسلم وغيرهما من الأئمة عن ابن شهاب الزهري
رسول
الله
قال: سمعت أبا سلمة ابن عبدالرحمن يقول: أخبرني جابر بن عبدالله أنه سمع رس يقول: "ثم فتر الوحي عني فترة، فبينما أنا أمشي سمعت صوتا من! السماء، فرفعت بصري قبل السماء فإذا الملك الذي جاءني بحراء قاعد على كرسي بين السماء والأرض، منه حتى هويت إلى الأرض فجئت أهلي، فقلت لهم: "زملوني، زملوني، فزملوني"، فأنزل الله تعالى: يأيها المدثر قم فأنذر إلى قوله: والرجز فاهجر ثم
فجئثت (1)
تتابع الوحي".
ولعل الناظر في هذا البحث يعجب أن يكون هذا الحديث الصحيح، وهو يقص ما حدث للنبي صلى الله عليه وسلم في فترة الوحي وهي فترة الحزن اليائس في نص البلاغ الزائف - يرويه الزهري نفسه، وهو صاحب بلاغ التردي من ذرا شواهق الجبال، وليس في حديثه المسند الموثق بصحة سنده كلمة واحدة تشعر من قريب أو بعيد بما جاء في تخرصات البلاغ الذي لم يسند فكيف ومن أين عرف المتخرصون أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يغدو في فترة الوحي إلى ذار شواهق الجبال ليرمي نفسه من فوقها؟ وهو صلى الله عليه وسلم وقد تحدث عن فترة
(1) أي رعبت حتى وقعت على الأرض.
143