الجزء الثالث ـ القسم الأول
الجزء ١ · صفحة ١٨٠الطوفان الجارف لكتائب البغي والعدوان
إذن لم يكن إعراض البخاري عن مثل هؤلاء إلا لعلة، تلك أنه لا يحتج بهم في الرواية، وإلا لما عدل عن أصولهم بإيجاد فجوات في كتابه … !! ولا يعتذر له بأنه لم يطلع
على هذه الأحاديث أو لم يعلمها؛ لأن هؤلاء الرواة من المكثرين.
بل إن بعض العلماء أطلق أن البخاري ومسلما إذا لم يرويا حديثا لي
عندهم أصل أو مثيل له كان ذلك لأنهما يضعفانه ولا يقبلانه احتجاجا وقد سبق إيراد بعض الأقوال عن
علماء عدة.
7 - ثم أعجب مرة أخرى كيف يزعم هذا التلقي، بل كيف يجمع بين البخاري ومسلم،
ويقال: "الصحيحان"، كل ما فيهما صحيح!!
سلم،
وهذا في الواقع تناقض ظاهر، إذ البخاري نفسه لا يرضى كل ما عند مسـ ومسلم لا يرضى كل ما عند البخاري، لأن الأصول عندهما مختلفة في أشياء، متفقة في
أشياء كما أوضحنا سابقا.
وكم من حديث كنت أرجع إليه عند مسلم و لم يخرجه البخاري، فأجد أن
البخاري لم يخرجه لسبب من انقطاع أو ضعف أو ترجيح:، في "التاريخ الكبير" أو
"الجامع الصحيح … ".
بل إن شراح أحاديثه أحيانا كانوا يقفون حيارى أمام أبوابه، فيبوب البخاري مثلا بابا تحت عنوان: "الشرب قائما ولا يأتي إلا بالأحاديث التي تفيد جواز الشرب قائما، ولا يأتي بحديث واحد من الأحاديث التي أخرجها مسلم في المنع من ذلك، فيعلق ابن بطال على هذا قائلا: "أشار بهذه الترجمة إلى أنه لم يصح عنده الأحاديث الواردة في كراهة الشرب قائما". (انظر "الفتح" 81/ 10).
أقول: كيف يمكن لنا أن نجمع كتابين، هما في ظاهر الأمر يحويان الصحيح، ولكن في باطنه يحويان شيئا من التناقض، لاختلاف الأصول عند كل منهما كيف يمكن
174