الجزء الثالث ـ القسم الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٢٨٧الطوفان الجارف لكتائب البغي والعدوان
بعصاه". ويؤكده حديث آخر مروي عند أحمد عن النبي لو كان هذا الأمر في حمير، فنزعه الله منهم، وصيره في قريش وسيعود إليهم". وقد علق ابن حجـ على هذا النص بأن "سنده جيد، وهو شاهد قوي لحديث القحطاني، فإن حمير يرجع نسبها إلى قحطان ".
ولأن هيبة البخاري السلفية لم تكن قد ولدت بعد، وكذلك لأن معاوية كان يفهم جيدا في مسألة التنصيص السياسي فقد بادر على الفور إلى رد حديث القحطاني، رغم أن الذي حدث به فيما بلغه عبدالله هو بن عمرو بن العاص. وقد اشتد معاوية في رده للحديث حتى وصف رواته بأنهم "جهال" يحدثون أحاديث ليست في كتاب الله ولا تؤثر عن رسول الله.
أما شراح النصوص الذين أدركتهم هيبة البخاري، فقد كان عليهم مواجهة المشكل الذي يصنعه التناقض بين حديث القحطاني وأحاديث القرشية، من غير أن يضطروا إلى رد أي منها من جهة المتن، وكيف يردونها وقد وردت جميعا بأسانيد صحيحة في صلب البخاري. فماذا صنعوا؟
كان الحل كالعادة هو اللجوء إلى الوسيلة "الخالدة" المعهودة في فك التناقض وكثيرا ما هو بين النصوص المنسوبة إلى السنة لا سيما النصوص الإخبارية والسياسية، ألا وهي "التأويل". وقد اقتضى الأمر هذه المرة من ابن حجر أن يلمز أبا هريرة راوي حديث القحطاني، وراوي حديث القرشية أيضا" لمزا صريحا حين قال ولعل أبا هريرة لم يحدث بحديث القحطاني حينئذ، فإنه كان يتوقى مثل ذلك كثيرا، وإنما يقع منه التحديث به في حالة دون حالة، وحيث يأمن الإنكار عليه" وابن حجر يريد من وراء هذا اللمز، تفسير قول معاوية إن هذه الأحاديث لا
676