الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٤٦--
146
-
ساتر، وكذلك عندهم موسى عليه السلام محجوب عن الله تعالى، إذا كان تبارك وتعالى لا تجوز عليه الرؤية ولا يرى لأنه قديم.
مسألة: فان قال قائل فما له لا يرى؟ قيل له لأنه شيء لا كالأشياء ولا يشبهها سبحانه! لايرى في آخرة ولا دنيا، لأنه لا يتغير أبداً. ويقال لهم هل ترى ذلك العين الذى من أجله لا يرى؟ فان قيل يرى قيل لهم فما هو؟ فان أشاروا إلى شيء من الأشياء لزمهم أن يلزموا معبودهم الحاجة إلى الأشياء تعالى الله الغنى عن جميع الأشياء!
مسألة: وأما ما رووه فى الحديث من الدنو من الله تعالى إلى غيره والقرب منه فانما ذلك على سرعة الإجابة والمنزلة. ألا ترى أن العرب يقولون أتينا فلان فأسرع إلينا، يعنون إلى إجابتنا وإلى ما سألناه. وقال عز وجل: (وإذا سألك عبادي عني فاني قريب أجيب دعوة الداعي إذا دعانى فليستجيبوا لى) (1) أي فاستجيبوا إلى طاعتى، وقال المفسرون فليستجيبوا لى، أى فليجيبونى إلى ما أمرتهم به. يقال إجابة واستجاب له بمعنى.
قال سعيد بن كعب الغنوى:
وداع دعا يا من يجيب إلى الندا فلم يستجبه عند ذاك مجيب
القول في التجلى:
التجلى فى كلام العرب ولغتهم هو ظهور الشيء فقد يظهر بوجهين مختلفين قيظهر جهرة ويظهر 102 بدلالة، ألا ترى إلى قول القائل: قد والله تجلى لى هذا الشيء. والذى يتجلى جهرة لا يكون إلا جسماً أو هيئة أو فعلا مشهود الأن الأبصار لا تدركه إلا ما كان كذلك. والتجلى من الخالق سبحانه وتعالى إنما هو بالدلالات والبينات ليس بجسم ولا عرض فيتجلى جهرة، وإنما معنى قوله عز وجل: (فلما تجلى ربه للجبل جعله دكاً) (2) أي تجلى بآية | يطق الحبل حمل تلك الآية وصار دكاً. كما قال تعالى:
من آياته، فلم
(1) سورة البقرة: آية 186.
(2) سورة الأعراف: آية 143.