الكشف والبيان محمد بن سعيد الأزدي القلهاتي أبو عبد الله

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ١٥٤

-

-

والمعنى الثانى من النظر هو الرأفة والرحمة والصلة والعائدة، وترك النظر إليهم انفاذ ذلك عنهم ألا ترى إلى قوله تعالى: (ولا ينظر إليهم يوم القيامة) (1) معناه لا ينظر إليهم برحمته. ونظر الخلق إلى الله انتظار فضله ورزقه وعطيته وكرامته في الدنيا والآخرة. وليس لأحد من الخلق أن ينظر إليه جهرة لا في الدنيا ولا في الآخرة لأن الأبصار لا تدرك إلا الأجسام المحدثة أو ما يكون في معنى من معانها جسماً من قبل أنها محدثة، فلاتدرك ولا ترى إلا ما كان محدثاً. والمحدود لا يكون إلا جسماً أو هيئة الجسم، والجسم صنعة صانع، وكل مصنوع فله صانع، والصانع لا يشبه المصنوع، فمن زعم أنه يرى جهرة فقد زعم أنه محيط بالله لأن الأبصار إذا رأت شيئاً فقد أحاطت بما رأت وعليه وقعت، فلا يعدو أن يكون ما وقعت عليه كلا أو بعضاً، فان كان كلا فقد حضرته وحدته وأحاطت به، وإن كان بعضاً فقد جزأته وبعضته، والله تبارك وتعالى يتعالى عن ذلك علواً كبيراً!!

ولقد أحسن ابن النظر حيث يقول:

وقال وجوه ناظرات لعطفه ورحمته يوم التغابن والندم وقال في نظر الرحمة والعائدة في معنى قوله لا ينظر الله إليهم و معناه لم ينظر إليهم بجوده وعائدة منه تبارك ذو العظم 1071 فصل في الرؤية أيضاً من كتاب الضياء:

الرؤية في كلام العرب معناها المعرفة إلا ما كان يدرك من جهة الأبصار فذلك رؤية جسم، وأما ما سواه ومعناه المعرفة: (ألم تر إلى ربك كيف مد الظل) (2)، ومثله: (ألم تركيف فعل ربك بأصحاب الفيل) (3)، ومثله: (ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزاً) (4)، ومثله: (ألم تر إلى

(1) سورة آل عمران: آية 77. (2) سورة الفرقان: آية 45. (3) سورة الفيل: آية 1. (4) سورة مريم: آية 83.