الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٥٥الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت (1)) ومثله في القرآن كثير. وكل ذلك لم يره النبي صلى الله عليه وسلم ولا كان أدرك ذاك، وأما المعنى ألم تعلم ذلك وتعرفه بالخبر الذى أخبرتك، واللغة ناطقة شاهدة بذلك. يقول القائل قد أرى ما يجى منك وأرى الحق كما أراك، يعنى أعرف الحق كما أراك، يعنى ألا تسمع إلى قول الله عز وجل، (ألم يرواكم أهلكنا قبلهم من القرون) (2) وهم إذ ذاك لم يكونوا، إنما خلقوا من بعدهم، وقوله تعالى قبلهم دليل على أنهم لم يكونوا إذ ذاك، ولكن المعنى معنى ألم تعرفوا ذلك بالأخبار، وقوله عز وجل: (ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه وأنتم تنظرون) (3)،
والموت لا يرى جهرة وإنما رؤيته بالمعرفة له.
فصل في نفى الرؤية أيضاً من كتاب الضياء:
قال الله عز وجل: (لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار ((4) فامتدح بذلك ومدائح الله عز وجل لا تزول فى الدنيا ولا فى الآخرة، فمن زعم. أن الأبصار تدركه فقد زعم أن هذا المدح يزول عنه في الآخرة، ومن زعم ذلك فقد جعل ربه منقوصاً وهذا الكفر بالله، لأن كل من كان النقص من صفته فليس بإله تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً! وقد نفى الله عز وجل. أن تدركه الأبصار وأن يرى جهرة فهو سبحانه وتعالى لا يرى فى الدنيا ولا في الآخرة 107 لأن مدائحه لا تزول، فان قال قائل إنه لا يرى في الدنيا ويرى فى الآخرة كان عليه إقامة الدليل، ولما كان قوله تعالى وهو يدرك الأبصار على كلا الدارين كليهما، ولما كان نافياً أن يشبهه شيء، كان نافياً أن تدركه في كلا الدارين على الجهرة لأنه لا يشبه شيء في كلا الدارين، وفما عقلنا أن كل مدرك له شبه ونظير، وكل مدرك يبصر فذو لون وكل. ذى لون فيحتمل التركيب بحلول اللون فى ذاته، وكل شيء حد في شي.
(1) سورة البقرة: آية 343.
(2) سورة يس: آية 31
(3) سورة آل
عمر
ان: آية 143.
(4) سورة الأنعام: آية 103.