الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٧٢172
-
لأنه سبحانه وتعالى غير جاهل، تعالى الله عن قولهم علوا كبيراً!! و إنما هو تمييز وتفضيل ومجازاة ألا ترى إلى قول بعضهم:
إنى وزنت الذي يفنى بعاجله تفى بخير فلا والله ما اتزنا
وإنما أردنا الوزن هاهنا التأمل والنظر والتمييز بينهما لا أنه وزن ميزان: وفى ذلك يقول صالح بن عبد القدوس: زن الكلام إذا نطقت فانه يبدى عيوب ذوى العقول المنطق و من الرجال إذا استوت أحلامهم ومن استشار فيستشر فيطرق حتى يهيم بكل واد قلبه فيرى ويسمع ما يقول فينطق فدل بقوله على أنه أراد بوزن الكلام تأمله وتمييزه، لأن الأفعال أعراض والأعراض لا يصح وزنها: وأما قوله عز وجل: (ونضع الموازين القسط ليوم القيامة) (1) أي نضع العدل يعرف عباده أن عنده حقائق وأنه لا يظلم شيئاً. وأما قوله عز إسمه: (فلا نقيم لهم يوم القيامة وزناً) (2)، يعنى لا نقبل منهم يوم القيامة إيماناً كما قال سبحانه وتعالى: (لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت فى إيمانها خيراً (3)، فصح أن الوزن في هذه المواضع هي الإيمان. ثم يقال قد قال البارى سبحانه وتعالى وهو: (الذى أنزل الكتاب بالحق والميزان) (4) والبارئ سبحانه لا يقول إلا الحق فبينوا الناصفة 122 | الميزان المنزل مع الكتاب، وبرهنوه لنا فلا يجدون إلى ذلك سبيلاه وإنما أراد سبحانه وتعالى بالميزان العدل وأنه لا يظلم الناس سبحانه وتعالى ثم يقال لهم هذه الموازين المنصوبة بزعمكم أهي لوزن الأعمال المكتوبة؟ في قولهم نعم، قلنا لهم ما تقولون فيمن بلغ الحلم وعاش مائة سنة وهو يعمل بالمعاصى والسيئات ومقيم على الكبائر المكفرات إلى أن قرب أجله وناب
الناس
(1) سورة الأنبياء: آية 47.
(2) سورة الكهف: آية 105. كتب في المخطوطة «ولا نقيم» مهواً بدلا من «فلا».
(3) سورة الأنعام: آية 158. (4) سورة الشورى: آية 17.