الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٩٩-
199
مسألة: فان قال أفيجوز أن يتخذ الله تعالى صديقاً من خلقه ويكون صديقاً للمؤمنين، والمؤمنون له أصدقاء؟ قبل له لا .. فان قال وما الفرق بينهما؟ قيل له لأن الصديق فى اللغة بأن يصدق صاحبه الود والمحبة وأن يكون ضمير كل واحد منهما لصاحبه سريرته مثل علانيته، فلما لم يجز أن يوصف الله تعالى بأن سريرته للأنبياء كعلانيته وإنما يضمر لهم كما يظهر إذ كان الضمير والطوية لا يجوزان عليه لم يجز أن يكون صديقاً لهم. وأيضاً فان الصديق إنما هو اسم وقع في اللغة على التوسع وذلك أنه اشتق من صدق المودة والصدق في حقيقة اللغة إنما هو الخبر الذى وقع بخبره على ما أخبره به المخبر، فلما كان استعمالهم الصدق في المودة مجازاً غير الحقيقة لم يجز أن يسمى الله تعالى به لأنه يحب التسمية له عز وجل من جهة الحقائق لا من جهة المحاز، فلهذا لم أن يقاس الصديق على الخليل إذا كان التسمية بالخليل حقيقة والتسمية بالصديق مجازاً والمجاز لا يجب أن يقاس على الحقائق.
فصل:
ويقال إن الله تعالى يمتحن عباده توسعاً ومجازاً والمراد أنه يكلفهم طاعته ويأمرهم بها لأن الامتحان في أصل اللغة إنما هو التجربة وطلب معرفة حقيقة الشيء الذي يمتحنه، فلما كان الله سبحانه وتعالى عالم بالأشياء ومما كان من أخبار بها وما يكون لم يجز عليه التجربة ولا الامتحان على الحقيقة، وإنما قيل مجازاً وأريد منه أن يكلف ويأمر، وكذلك يقال إنه يختير مجازاً لا الحقيقة لأن الاختيار هو طلب المختبر الخبر بالشيء الذى 142 يختره والعلم به فلما كان الله سبحانه وتعالى لم يزل بالأشياء عالماً لم يجز عليه أن يختبر شيئاً وأن يطلب العلم به. وكذلك يقال إنه يبتلى توسعاً ومجازاً لا حقيقة وبراد بذلك أنه يكلف ويأمر، لأن الابتلاء فى حقيقة اللغة هو الفعل الذي يطلب الفاعل أن يعرف به صبر المبتلى وما يكون منه عند الابتلاء، قال الشاعر:
بليت و فقدان الحبيب بلية وقد يبتلى الحر الكريم فيصبر فلما كان الله تعالى عالماً بكل شيء قبل أن يخلق عباده وقبل أن يأمرهم