الكشف والبيان محمد بن سعيد الأزدي القلهاتي أبو عبد الله

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٢٠٠

لم يجز أن يريد بأمره إياهم معرفة ما يكون منهم إذ كان لم يزل عالماً فلم يجز ا أن يبتلى العباد على الحقيقة وإنما توسعوا له فى الوصف بأنه يمتحن ويختبر ويبتلى، وأرادوا بذلك أنه تعالى يأمر ويكلف توسعاً ومجازاً. فان قال أفتز عمون أن الله تعالى يكلف عباده طاعته على الحقيقة؟ قيل له نعم. فان قال أفليس المكلف منا فى الشاهد إنما يكلف غير حاجته؟ قيل له قد يجوز أن يكلف أحدنا غيره حوائجه التى يحتاج إليها وقد يجوز أن يكلفه أيضاً فعل ما يحتاج المكلف وإن لم يكن للمكلف فى ذلك حاجة، لأن التكليف فى الأصل إنما هو تحميل الإنسان العمل الذى يلزمه إياه فاذا لزمه ما يحتاج إليه الأمر وإذا لزمه ما يحتاج إليه فقد كلفه ما يحتاج إليه المأمور دون الآمر، فقد كلفه ذلك وإن لم يكن للآمر إليه حاجة: فلما كان الله عز وجل غنياً عن الأشياء كلها كان تكليفه العباد طاعته لحاجتهم إلى ذلك ولا نتفاعهم به، لا لحاجته هو إليه ولا لمنفعة تناله منهم. وقد مر شيء من هذا في باب التكليف

،

فصل:

ويقال إن الله تعالى ناصر المؤمنين ومعنى ذلك دفعه المكاره والشدائد والهوان عنهم ليعزهم بذلك ويكرمهم وهذا هو النصرة المعقولة بيننا في الشهادة. ويقال إن الله يخذل الكفار والفساق ومعنى ذلك ضد النصرة وهو 143| أن ما ينجيهم من الهوان والشدائد أن يفعل بهم ما يتقون معه في الشدائد والهوان: ويقال إن الله تعالى بهدى المؤمنين والهدى على ثلاثة أوجه: فوجه منه هو الدلالة لأن كل دلالة إلى شيء فهو هدى إليه في اللغة فهو الهدى، قد هدى الله تعالى المؤمنين والكافرين جميعاً إلى الدين لأنه قد دلهم جميعاً على الدين، ووجه آخر فهو الإيمان لأن الإيمان هو هدى من الله تعالى كما أنه نعمة من الله، ووجه ثالث هو النجاة لأن الله تعالى قد بين أنه سيهدى المؤمنين بعد موتهم بقوله تعالى: (والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم. سيهديهم ويصلح بالهم) (1). ولا يكون الهدى بعد الموت إلا الثواب والنجاة: لا

(1) سورة محمد: الآيتان 4 - 5.